نصوص في الحديث وعلومه

شرح حديث: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»

لعالم الأندلس الكبير الإمام الحافظ الناقد أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي

(ت463هـ)

حديث ثالث وخمسون لأبي الزناد مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:«والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وإنا أجزي به».

 هذا الحديث والذي قبله رواهما عن أبي هريرة جماعة من أصحابه منهم سعيد بن المسيب والأعرج وأبو صالح ومحمد بن سيرين وغيرهم، ورواه أبو سعيد وغيره عن النبي  صلى الله عليه وسلم كما رواه أبو هريرة.

وخلوف فم الصائم ما يعتريه في آخر النهار من التغير، وأكثر ذلك في شدة الحر، ومعنى قوله:«لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» يريد أزكى عند الله وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك، وهذا في فضل الصيام وثواب الصائم.

ومن أجل هذا الحديث كره جماعة من أهل العلم السواك للصائم في آخر النهار من أجل الخلوف، لأنه أكثر ما يعتري الصائم الخلوف في آخر النهار لتأخر الأكل والشرب عنه.

واختلف الفقهاء في السواك للصائم فرخص فيه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن علية، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير.

ورويت الرخصة فيه عن عمر وابن عباس وليس عن واحد منهم فرق بين أول النهار وآخره، ولا بين السواك الرطب واليابس.

وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة»، ولم يخص رمضان ولا غيره.

وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم  أنه كان يستاك وهو صائم، وقال الشافعي: أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار وعند تغير الفم، إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم الصائم، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور وروي ذلك عن عطاء ومجاهد.

وأما السواك الرطب فيكرهه مالك وأصحابه، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو قول زياد بن حدير وأبي ميسرة والشعبي والحكم بن عتيبة وقتادة ورخص فيه الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم وعطاء وابن سيرين، وروي ذلك عن ابن عمر.

وقال ابن علية: السواك سنة للصائم والمفطر والرطب فيه واليابس سواء، لأنه ليس بمأكول ولا مشروب.

وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن السواك للصائم فقال: ما بينه وبين الظهر ويدعه بالعشي لأنه يستحب له أن يفطر على خلوف فيه، وعن مجاهد وعطاء أنهما كرها السواك بالعشي للصائم، لقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

وأما قوله:«الصيام لي وإنا أجزي به» فإنما هي حكاية حكاها النبي  صلى الله عليه وسلم  عن ربه عز وجل، ولم يصرح بها مالك في حديثه هذا لأنه إنما أدى ما سمع وأظن ذلك إنما ترك حكايته من تركها، لأنه شيء مفهوم لا يشكل على أحد إذا كان له أدنى فهم إن شاء الله.

وقد روي من وجوه هكذا كرواية مالك من حديث ابن سيرين وغيره عن أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال:«الصوم لي وإنا أجزي به يذر طعامه وشرابه من أجلي»، وهذا حذف من الحديث وإضمار إلا أن في لفظه وسياقته ما يدل عليه.

وقد روي من وجوه على ما ينبغي بلا حذف ولا إضمار؛ حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن فضيل عن أبي سنان عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«إن الله يقول: الصوم لي وإنا أجزي به؛ إن للصائم فرحتين إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله فرح، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا محمد بن مرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال:«قال الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وإنا أجزي به يترك الطعام لشهوته من أجلي هو لي وأنا أجزي به ويترك الشراب لشهوته من أجلي هو لي وأنا أجزي به».

وقرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال حدثنا محمد بن الجهم قال حدثنا روح قال حدثنا شعبة قال حدثنا محمد ابن زياد عن أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه كان يحدث عن ربه قال:«كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم يدع الصائم الطعام والشراب من أجلي فالصوم لي وأنا أجزي به وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

فإن قال قائل: وما معنى قوله الصوم لي وأنا أجزي به، وقد علم أن الأعمال التي يراد بها وجه الله كلها له وهو يجزي بها، فمعناه والله أعلم: أن الصوم لا يظهر من ابن آدم في قول ولا عمل، وإنما هو نية ينطوي عليها صاحبها ولا يعلمها إلا الله، وليست مما تظهر فتكتبها الحفظة، كما تكتب الذكر والصلاة والصدقة وسائر الأعمال لأن الصوم في الشريعة ليس بالإمساك عن الطعام والشراب، لأن كل ممسك عن الطعام والشراب إذا لم ينو بذلك وجه الله، ولم يرد أداء فرضه أو التطوع لله به فليس بصائم في الشريعة، فلهذا ما قلنا إنه لا تطّلع عليه الحفظة ولا تكتبه، ولكن الله يعلمه ويجازي به على ما شاء من التضعيف.

والصوم في لسان العرب أيضا: الصبر ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾.

وقال أبو بكر بن الأنباري: الصوم يسمى صبرا لأنه حبس النفس عن المطاعم والمشارب والمناكح والشهوات.

قال أبو عمر: من الدليل على الصوم يسمى صبرا؛ قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«من صام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر فكأنه صام الدهر»، يعني بشهر الصبر شهر رمضان.

وقد يسمى الصائم سائحاً، ومنه قول الله عز وجل:﴿السائحون الراكعون الساجدون﴾، يعني الصائمين المصلين، ومنه أيضا قوله:﴿قانتات تائبات عابدات سائحات﴾، فللصوم وجه من لسان العرب، وقد ذكرنا جميعها في هذا الباب والله الموفق للصواب.

  • كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد(19/57ـ 61).

طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تحقيق: محمد بوخبزة، وسعيد أعراب1406هـ1986م.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

  هذا الكلام يُتَمثَّلُ به، وليس من الأمثال، وفي الخبر: مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحيِ فاصنع ما شئت، وفُسِّرَ بمعنيين: أحدهما ظاهر، وهو المشهور: إذا لم تستحي من العيب ولم تخش عارا ولا لوْماً مما تفعل، فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا أم لا.

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

  اتفق أهل السنة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع؛ فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة.

الشروح المغربية على صحيح مسلم

الشروح المغربية على صحيح مسلم

 تفاوتت عناية المغاربة في الاهتمام بالمصنفات الحديثية، والمتصفح لكتب الفهارس والأثبات المغربية يجد سيلا من الكتب الحديثية الأولى التي كان الشيوخ يدرسونها، ويجيزون بها طلابهم، ومن هذه المصنفات ما يذكره ابن خير في فهرسه مثل: مسند حديث الأوزاعي، ومسند حديث ابن جريج، ومسند حديث الزهري وعلله...

«في وجوب طلب علم الحديث والسنن وإتقان ذلك وضبطه وحفظه ووعيه»

لاخفاء على ذى عقل سليم، ودين مستقيم بوجوب ذلك والحض عليه، لأن أصل الشريعة التي تعبدنا بها إنما هي متلقاة من جهة نبينا، صلوات الله عليه وسلامه، إما فيما بلغه من كلام ربه وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفل الله بحفظه فقال جل وعز:﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾[الحجر:9].

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

قال ذو النَّسَبَيْنِ أبو الخطاب ابن دِحية الكَلْبي (ت633هـ) في كتابه «أداء ما وجب من بيان وضع الوضَّاعين في رجب»، بياناً منه لهذه المسألة:

 «والكلام في الوضّاعين، نصيحة لله ربَّ العالمين، ولرسوله محمد سيّد المُرسلين، وليست بغِيبةٍ عند جماعة فُقهاء المسلمين.