نصوص في السيرة النبوية

«القصيدة الوضَّاحِيَّةُ في مدح السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها»

للإمام أبي عمران موسى بن محمد بن عبد الله الأندلسي المعروف بابن بهيج
(كان حيا سنة 496هـ)

قال العلامة سيدي عبد الله كنون:

هذه قصيدة من أروع الشعر وأبدعه، في مناقب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، اشتملت على ذكر فضائلها، وفضائل والدها أبي بكر الصديق، ومجادلة الخصوم المبغضين لها المتقولين عليها، ومحاجتهم بالدليل من الكتاب والسنة في أيمان صادق ودفاع حار، وبالواقع التاريخي الذي لا نزاع فيه من سيرتها العطرة وسيرة أبيها الخليفة الأول رضوان الله عليه، وكل ذلك بأسلوب بارع وبيان رفيع، ونظم محكم متين ، وإلى هذا وبقطع النظر عن كل اعتبار، فالقصيدة تعبر عن عاطفة إنسانية رفيعة لأنها تتخذ موقف المساندة بجنب سيدة شريفة أثناء أزمة هي أعنف أزمة تمر بها امرأة في حياتها، فتنافح عنها وعن كرامتها حتى تحتفظ لها بسمعتها الطيبة وذكرها الجميل.

ومما أبر به صاحب هذه القصيدة أنه جعلها على لسان السيدة عائشة نفسها، فبعد المطلع الذي يوذن بمقصوده تخلص في البيت الثاني إلى إعطائها الكلمة، فجعلها هي التي تناظر وتفاخر وتدفع في نحور الأعراء بسلاح الحجة والبرهان الذي يطوقهم الخزي والعار، فلو أنها رضي الله عنها نطقت فعلاً بشعر في الموضوع لما زادت على ما احتوته هذه القصيدة، وهي من هي قوة بيان وشدة عارضة.

وهذا مما يدل على بلاغة منشئها، ومقدرته البيانية، وتمكنه من صناعة الشعر، فضلاً عن رسوخ قدمه في المعرفة بعلم الحديث والسيرة النبوية والتاريخ وسائر العلوم الإسلامية.

وهذا نص القصيدة:

مَا شَانُ أُمِّ المؤمنين وشَاني *** هُدي المُحِبُّ لها وضَلَّ الشَّاني
إنِّي أقول مُبَيِّناً عن فَضْلِها *** ومُتَرجماً عن قوْلها بلِسَاني
يا مُبْغضي لا تَأْت قَبْرَ محمَّدٍ *** فالبَيْتُ بيتي والمَكانُ مَكاني
إِنِّي خُصِصْتُ على نِساءِ مُحَمَّدٍ *** بِصِفاتِ بِرٍّ تَحْتَهُنَّ مَعاني
وَسَبَقْتُهُن إلى الفَضَائِل كُلَّها *** فالسَّبْقُ سَبقي والعِنَانُ عِنَاني
مَرِضَ النَّبِيُّ وَمَاتَ بين تَرَائِبِي *** فاليَوْمَ يَوْمي والزَّمانُ زَماني
زَوْجي رَسولُ الله لَمْ أرَ غَيْرَهُ *** اللــه زَوَّجَني بـه وحَبَاني
وأتاهُ جِبريلُ الأمينُ بِصُورتي *** فَأحَبَّني المُخْتَار حِينَ رَآني
أنا بِكْرُه العَذْراءُ عِنْدي سِرُّهُ *** وضَجيعُهُ في مَنْزِلي قَمَرانِ
وَتَكَلَّمَ اللهُ العظيمُ بِحُجَّتي *** وَبَرَاءَتِي في مُحْكَمِ القُرآنِ
وَالله خَفَّرَني وَعَظَّمَ حُرْمَتِي *** وعلى لِسَانِ نَبِيِّهِ بَرَّانِي
والله في القُرآنِ قد لَعَنَ الذي *** بَعْدَ البَرَاءَةِ بالقَبيح رَماني
والله وَبَّخَ مَنْ أرَادَ تَنَقُّصي *** إفْكاً وسَبَّحَ نَفسَهُ في شاني
إنّي لمُحْصَنَةُ الإزارِ بَرِيئَةٌ *** ودليلُ حُسْنِ طَهَارتي إحْصاني
واللهُ أَحْصَنَنِي بخاتِمِ رُسْلِه *** وَأَذَلَّ أَهْلَ الإِفْكِ والبُهتانِ
وسَمِعْتُ وَحْيَ الله عِنْدَ مُحَمَّدٍ *** من جِبَرَئيلَ ونُورُه يَغْشاني
أَوْحَى إِلَيْهِ وَكُنْتُ تَحتَ ثِيابِهِ *** فَحَنَا عليَّ بِثَوْبِهِ وخَبَّاني
مَنْ ذَا يُفَاخِرُني وينْكِرُ صُحْبَتي *** ومُحَمَّدٌ في حِجْرِه رَبَّاني؟
وأَخَذتُ عن أَبَوَيَّ دينَ مُحَمَّدٍ *** وَهُمَا على الإِسْلامِ مُصْطَحِبَانِ
وأبي أَقامَ الدِّين بَعْدَ مُحَمَّدٍ *** فَالنَّصْلُ نصْلي والسِّنَان سِناني
والفَخْرُ فَخْرِي والخِلَافَةُ في أبي *** حَسْبِي بِهَذَا مَفْخَراً وَكَفاني
وأنا ابْنَةُ الصِّدِّيقِ صَاحِبِ أَحْمَدٍ *** وحَبِيبِهِ في السِّرِّ والإِعلانِ
نَصَر النبيَّ بمالِهِ وفِعالِه *** وخُرُوجِهِ مَعَهُ في الأوطانِ
ثَانيه في الغارِ الذي سَدَّ الكُوَى *** بِرِدَائِهِ أَكْرِم بِهِ مِنْ ثانِ
وَجَفَا الغِنى حَتَّى تَخَلَّل بالعَبَا *** زُهداً وأَذْعَنَ أَيَّما إِذْعَانِ
وتَخَلَّلَتْ مَعَهُ مَلائِكَةُ السَّما *** وأَتَتْهُ بُشرى اللهِ بالرِّضْوَانِ
وهو الذي لَمْ يَخْشَ لَوْمَة لائمٍ *** في قَتْلِ أهْلِ البَغْيِ والعُدوانِ
قَتَلَ الأُلى مَنَعوا الزَّكاة بكُفْرِهِمْ *** وأَذَل أَهْلَ الكُفر والطُّغيانِ
سَبَقَ الصَّحَابَةَ والقَرَابَةَ لِلهُدى *** هو شَيْخُهُمُ في الفضلِ والإِحْسَانِ
واللهِ ما اسْتَبَقُوا لِنَيْلِ فضيلةٍ *** مِثْلَ استباقِ الخيلِ يومَ رِهانِ
إلاَّ وطارَ أبي إلى عَلْيَائِها *** فمكانُه منها أَجَلُّ مكانِ
وَيْلٌ لِعَبْدٍ خانَ آلَ مُحَمَّدٍ *** بِعَدَاوةِ الأزواجِ والأخْتانِ
طُوبى لِمَنْ والى جماعةَ صَحْبِهِ *** ويكونُ مِن أحْبَابِهِ الحَسَنانِ
بينَ الصحابةِ والقرابةِ أُلْفَةٌ *** لا تستحيلُ بِنَزْغَةِ الشيطانِ
هُمْ كالأَصابِع في اليدينِ تواصُلاً *** هل يَسْتَوي كَفُّ بغير بَنَانِ
حَصِرَتْ صُدُورُ الكافرين بوالدي *** وقُلوبُهُمْ مُلِئَتْ من الأضغانِ
حُبُّ البَتولِ وَبَعْلِها لم يَخْتَلِفْ *** مِن مِلَّةِ الإِسلامِ فيه اثنانِ
أكرم بأربعةٍ أئمةِ شَرْعِنا *** فَهُمُ لِبيتِ الدينِ كالأَرْكَان
نُسِجَتْ مَوِدَّتُهم سَدًا في لُحْمَةٍ *** فَبِناؤها مِنْ أَثْبَتِ البُنيانِ
الله ألَّفَ بَيْنَ وُدِّ قُلُوبِهِمْ *** لِيَغِيظَ كُلَّ مُنَافِقٍ طعَّانِ
رُحَماءُ بَيْنَهُمُ صَفَتْ أَخْلاَقُهُمْ *** وخَلَتْ قُلُوبُهُمُ مِنَ الشَّنَآنِ
فَدُخُولُهُم بَيْنَ الأَحِبَّةِ كُلْفَةٌ *** وسِبَابُهُمْ سَبَبٌ إِلى الحِرْمَانِ
جَمَعَ الإِلهُ المسلمين على أبي *** واستُبدلوا مِنْ خوْفهم بأَمان
وإذا أرادَ اللهُ نُصْرَة عَبْدِهِ *** مَنْ ذا يُطيقُ لَهُ على خُذْلانِ
مَن حَبَّني فَلْيَجْتَنِبْ مَنْ سَبَّني *** إنْ كانَ صانَ مَحَبَّتي ورعاني
وإذا مُحِبِّي قَدْ أَلَظَّ بِمُبْغِضي *** فَكِلَاهُما في البُغضِ مُسْتِويانِ
إِني لَطَيِّبَةٌ خُلِقْتُ لطيِّبٍ *** ونِساءُ أَحْمَدَ أطيبُ النِّسْوانِ
إني لأَمُّ المؤمنينَ فَمَنْ أَبَى *** حُبِّي فَسَوْف يَبُوءُ بالخُسْرَانِ
اللهُ حَبَّبَني لِقَلْبِ نَبِيِّه *** وإلى الصراطِ المستقيمِ هداني
واللهُ يُكْرِمُ مَنْ أَرَادَ كَرامتي *** ويُهينُ رَبِّي من أرادَ هواني
واللهُ أَسْأَلُهُ زيادةَ فَضْلِهِ *** وحَمِدْتُهُ شكْراً لِما أوْلاني
يا من يَلُوذُ بِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ *** يرجو بذلك رحمةَ الرحمانِ
صِلْ أُمَّهَاتِ المؤمنينَ ولا تَحُدْ *** عَنَّا فَتُسْلَبْ حُلَّةَ الإِيمانِ
إِني لصادِقَةُ المقالِ كريمةٌ *** إِيْ والَّذي ذَلَّتْ لَهُ الثَّقَلانِ
خُذْها إليكَ فإِنَّمَا هي رَوْضَةٌ *** محفوفَةٌ بالرَّوحِ والرَّيحانِ
صَلَّى الإلهُ على النبيِّ وآلِهِ *** فَبِهمْ تُشَمُّ أزاهِرُ البُستانِ

- مجلة المناهل، تصدرها وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية الرباط- المغرب، العدد السادس، السنة الثالثة، رجب 1396هـ/ يوليوز 1976م، (ص:25-34).

- كتاب القصيدة الوضَّاحِيَّةُ في مدح السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها للإمام أبي عمران موسى بن محمد بن عبد الله الأندلسي المعروف بابن بهيج (كان حيا سنة 496هـ)، اعتنى بها: محمد صالح يعقوبي، دار البشائر الإسلامية ـ لبنان ـ الطبعة الأولى 1423هـ/2002م (ص374-377).

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

قال القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت 544هـ):

«ولا خفاء بما يُؤْثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عُرِفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما...

 

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

  اعلم أن أفضـل ما في العـام ليلة مولـده ، حتى من ليلة القـدر التي قال الله فيها: (خير من ألف شهر)[القدر: 3]، والإجـمـاع وقـع على ذلك، وقد نصّ صاحب الـمعيار على أنـها أفضل من ليلـة القدر بنيـف وعشرين وجـهاً.

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

  لاحظت في كتابي «أدب الفقهاء» أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم مما اختص بهم شائخ العلم وأدباء الفقهاء، وأنه بعد شعراء الصحابة الذين عاصروا ظهور الإسلام كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، لم يتعاط أحد من شعراء العربية الكبار في العصر الأموي والعصر العباسي هذا اللون من المدح الذي يعد فنا من فنون الشعر العربي.

مناسبة المولد النبوي

مناسبة المولد النبوي

سُئل الإمام أبو عبد الله بن عبّاد عمّا يقع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم من وقود الشمع وغير ذلك لأجل الفرح والسرور بمولده عليه السلام. فأجاب: الذي يظهر أنّه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكلّ ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك؛ من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر، وتنزّه السمع والنظر، والتزيّن بما حسن من الثياب، وركوب فَارِه الدّواب أمر يباح لا ينكر.

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو القاسم الفيجيجي أن من نظمه هاذين البيتين في نسب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهما:

علقتُ شفيعاً هال عقلي قرانه* كتابٌ مبينٌ كسب لُبّي غرائبه

فذا معشر نفسي كرام خلاصتي* على الفهم منذ نيل مجد عواقبه