نصوص في الحديث وعلومه

«في وجوب طلب علم الحديث والسنن وإتقان ذلك وضبطه وحفظه ووعيه»

للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي (ت 544هـ)

 

قال القاضي عياض رحمه الله:

لاخفاء على ذى عقل سليم، ودين مستقيم بوجوب ذلك والحض عليه، لأن أصل الشريعة التي تعبدنا بها إنما هي متلقاة من جهة نبينا، صلوات الله عليه وسلامه، إما فيما بلغه من كلام ربه وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفل الله بحفظه فقال جل وعز:﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾[الحجر:9].

وبهذا الوجه ارتفع بحمد الله فيه اللبس، واطمأنت لصحة جميعه كل نفس، ونقل بالتواتر كافة عن كافة عنه، ولم يقع بين فرق المسلمين خلاف في حرف منه.

ثم بعد ذلك ما أخبر به من وحى الله إليه وأوامره ونواهيه، وقد قال تعالى:﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾[النجم:3-4].

وغير ذلك من سننه وسائر سيره، وجملة أقواله وأفعاله وإقراره.

قال الله تعالى:﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾[الحشر:7].

وكل هذا إنما يوصل إليه ويعرف بالتطلب والرواية، والبحث والتنقير عنه، والتصحيح له.

ورحم الله سلفنا من الأئمة المرضيين، والأعلام السابقين، والقدوة الصالحين، من أهل الحديث وفقهائهم، قرناً بعد قرن، فلولا اهتبالهم بنقله، وتوفرهم على سماعه وحمله، واحتسابهم في إذاعته ونشره، وبحثهم عن مشهوره وغريبه، وتنخيلهم لصحيحه من سقيمه لضاعت السنن والآثار، ولاختلط الأمر والنهى، وبطل الاستنباط والاعتبار؛ كما اعترى من لم يعتن بها، وأعرض عنها بتزيين الشيطان ذلك له من الخوارج والمعتزلة وضعفة أهل الرأي، حتى انسل أكثرهم عن الدين، وأتت فتاويهم ومذاهبهم مختلة القوانين، وذلك لأنهم اتبعوا السبل وعدلوا عن الطريق، وبنوا أمرهم على غير أصل وثيق:﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار﴾[التوبة:109] الآية.

وقد قال تعالى:﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾[التوبة:122] الآية.

فهذا أصل في وجوب طلب العلم والرحلة في طلب السنن.

وقال عليه السلام فيما أخبرنا به القاضي الحافظ أبو علي الحسين بن محمد رحمه الله قراءة مني عليه، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو الفضل أحمد بن أحمد الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، أخبرنا بنان بن أحمد القطان، أخبرنا عبد الله بن عمر بن أبان، أخبرنا شعيب بن إبراهيم، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبان بن إسحق الأسدى عن الصباح بن محمد، عن أبى حازم، عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«أيها الناس إنى قد تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وسنتى، فلا تفسدوه، وإنه لا تعمى أبصاركم، ولن تزل أقدامكم، ولن تقصر أيديكم ما أخذتم بهما».

حدثنا القاضى الفقيه أبو عبد الله محمد بن عيسى، والشيخ الصالح أبو على الحسن بن طريف، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سعدونن قالك أخبرنا أبو بكر محمد بن علي، عن أبى عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو جعفر محمد بن على الشيبانى، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبى غرزة، أخبرنا ضرار بن صرد، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الأسدي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم».

حدثنا القاضى الشهيد أبو على بقراءتى عليه قلت له: حدثكم أبو الحسين بن عبد الجبار وأبو الفضل أحمد بن خيرون، قالا: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد، عن أبى على الحسن بن محمد السنجي، عن أبى العباس محمد بن أحمد بن محبوب، أخبرنا أبو عيسى محمد بن سورة الحافظ، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا محمد بن يوسف عن ابن ثوبان هو عبدالرحمن ابن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية، عن أبى كبشة السلولى عن عبد الله بن عمرو قال:

قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

حدثنا القاضى أبو عبد الله بن عيسى، والشيخ أبو على بن طريف، عن ابن سعدونن عن أبى بكر المطوعي، عن أبى عبد الله الحاكم، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبدالحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مسلمة بن علي، عن زيد بن واقد عن حزام بن حكيم، قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول:

«حدثوا عنى كما سمعتم ولا حرج، ألا من افترى على كذبا متعمدا بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».

أخبرنا الشيخ أبو على الحسين بن محمد الغسانى الحافظ من كتابه قال: أخبرنا أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الملك ابن الحسن الصقلى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا أبو عتبة أحمد بن الفرج أخبرنا بقية بن الوليد:

وحدثنا القاضى محمد بن إسماعيل قراءة مني عليه، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن قاسم، أخبرنا أبو محمد بن عباس، أخبرنا أبو القاسم الجوهري، قال: أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن إسحاق، أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمرو بن السرح، أخبرنا ابن أبى السرى، أخبرنا بقية بن الولد واللفظ لحديث ابن أبى السرى، أخبرنا شعبة عن عمر بن سليمان بن عاصم ابن عمر بن الخطاب عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه عن زيد بن ثابت قال:

قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:«نضر الله امرءا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه عنا كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه».

ومن غير هذا الطريق:«ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».

ومن روايتنا عن الترمذي:«فرب مبلغ أوعى له من سامع».

حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب الفقيه، أخبرنا حاتم بن محمد، أخبرنا على بن خلف الفقيه، أخبرنا محمد بن أحمد المروزي، أخبرنا محمد بن يوسف الفربرى، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسدد، أخبرنا بشر، أخبرنا أبن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبى بكرة، عن أبيه قال:

ذكر النبى  صلى الله عليه وسلم وذكر خطبته يوم النحر، وفى آخره: ليبلغ الشاهد الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه».

وحدثنا الشيخ أبو بحر سفيان بن العاصى الأسدى سماعاً، والفقيه أبو محمد عبد الله بن أبى جعفر الخشني قراءةً، قال: الأسدى حدثنا أبو الليث نصر بن الحسن السمرقندى، وقال الخشنى: أخبرنا أبو على الحسين بن علي الطبرى قالا: أخبرنا عبدالغافر الفارسي، أخبرنا أبو أحمد بن عمرويه بن الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن مثنى ومحمد بن بشار وألفاظهم متقاربة، قال أبو بكر: أخبرنا غندر، عن شعبةن وقال الآخران: أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة عن أبى جمرة، وذكر عن ابن عباس حديث وفد عبد القيس بكماله وما أمرهم به ونهاهم عنه، وقال في آخره:

«احفظوه وأخبروا به من وراءكم».

كذا في رواية ابن أبي شيبة.

وقال غيره:«من ورائكم».


كتاب الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع للقاضي عياض بن موسى اليحصبي(ت 544هـ)، تحقيق السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث- القاهرة، الطبعة الثالثة: 1425هـ/2004م، (ص 32-39).

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

  هذا الكلام يُتَمثَّلُ به، وليس من الأمثال، وفي الخبر: مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحيِ فاصنع ما شئت، وفُسِّرَ بمعنيين: أحدهما ظاهر، وهو المشهور: إذا لم تستحي من العيب ولم تخش عارا ولا لوْماً مما تفعل، فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا أم لا.

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

  اتفق أهل السنة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع؛ فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة.

الشروح المغربية على صحيح مسلم

الشروح المغربية على صحيح مسلم

 تفاوتت عناية المغاربة في الاهتمام بالمصنفات الحديثية، والمتصفح لكتب الفهارس والأثبات المغربية يجد سيلا من الكتب الحديثية الأولى التي كان الشيوخ يدرسونها، ويجيزون بها طلابهم، ومن هذه المصنفات ما يذكره ابن خير في فهرسه مثل: مسند حديث الأوزاعي، ومسند حديث ابن جريج، ومسند حديث الزهري وعلله...

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

قال ذو النَّسَبَيْنِ أبو الخطاب ابن دِحية الكَلْبي (ت633هـ) في كتابه «أداء ما وجب من بيان وضع الوضَّاعين في رجب»، بياناً منه لهذه المسألة:

 «والكلام في الوضّاعين، نصيحة لله ربَّ العالمين، ولرسوله محمد سيّد المُرسلين، وليست بغِيبةٍ عند جماعة فُقهاء المسلمين.

إذا دخَل رمضان فُتِحَتْ أبوابُ السماء

إذا دخَل رمضان فُتِحَتْ أبوابُ السماء

و«أبوابُ السماء» في هذا الحديث يراد بها أبواب الجنة بدليل قوله في الحديث: «وغلقت أبواب جهنم»، وقد تبيّن هذا المعنى في رواية مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: «إذَا دخَل رمضان فُتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتْ الشَّياطينُ»، وهذا حجة في أن الجنة في السماء.