كتب القضاء

شرح ابن الناظم لتحفة الحكام لابن عاصم
شرح ابن الناظم لتحفة الحكام لابن عاصم

 

 

 

  تُعتبر منظومة: تحفة الـحُكَّام في نكت العقود والأحكام، للإمام أبي بكر محمد بن محمد بن ‏محمد بن محمد بن عاصم القيسي الأندلسي الغرناطي(ت 829هـ)، من الأراجيز العلمية ‏التي احتفل بها علماء الغرب الإسلامي حفظا وتدريسا وشرحا؛ لاشتمالها على جميع أبواب ‏فقه القضاء وما يتعلق به‎ ‎‏ من أحكام ونوازل، إضافة إلى ما كنزته من فوائد وغُرَر عزّت في ‏نظيراتها.‏

  ولمَّا كانت الحاجة ماسة لشرح يفسر ما استغلق من ألفاظها ويبين ما خفي من معانيها، انبرى ‏لذلك ابنه البار الإمام النَّظَّار الـخطيب البليغ القاضي الوزير أبو يحيى محمد (ت857هـ)، ‏وقد أفصح رحمه الله على الباعث الذي دفعه لهذا في ديباجة صدر كتابه قائلا: «استخرت الله ‏تعالى في مسايرة هذه الأرجوزة المذكورة، بتقييد يكون كالشرح لمعانيها، والإبانة عن المسائل ‏الفقهية التي استقلت عليها مبانيها، موضحا من الأرجوزة المشار إليها مَعانيَ الأبيات، ‏ومستظهرا على ما تضمنته من الأحكام مما يكون أسعد بها من الأقوال والروايات، وملحقا ‏بما يتكلم عليه من الفقه، ما يكون من معناه قريبا، ومضيفا إليه من النقل ما لا يعد بالنسبة ‏إليه غريبا»، ثم قال في مكان آخر: «قصدت في مجاراتها– أي منظومة والده- بهذا التقييد أن ‏يكون لي تذكرة لما اشتملت عليه من الأحكام، وتنبيها لي على ما وراءها مما يجب التيقظ له ‏على الحكام، لا أني أشرح لغيري وأنا قد غنيت، وأجهد لسواي تاركا لما به قد عُنِيت، إلا أن ‏يكون ذلك بالتبع، وعلى غير ما قدمت من السبيل المتبع، فالخيرَ أردت، والمشرَعَ العذب ‏وردت»، ولعل هذا الذي قاله المؤلف رحمه الله إنما هو من جَمِّ تواضعه، وإلا فالكتاب يعد ‏عمدة في بابه لما حواه من علم غزير.‏

  ومما انفرد به هذا الشرح البديع تلك الترجمة الضافية التي قدم بها المؤلف لوالده ذاكرا فيها: ‏سنة ولادته ووفاته، ولَفِيفًا من شيوخه، وبعضا من مؤلفاته، ثم بعد هذا عرّج رحمه الله على ‏المقصود وهو الشروع في شرح أبيات النظم وبيان ما احتوت عليه من أصول وفروع فقهية، ‏مع التزامه بالأبواب التي عنون بها والده المنظومَة، وهي في جملتها لا تخرج عن تلك المعروفة ‏في كتب المذهب، وحتى يزدان هذا السِّفر قيمة وقبولا عند العامة والخاصة فإنه اختار أن ‏يقدمه بأسلوب جمع فيه بين لغة الفقيه والأديب، مزج فيه بين المصطلحات الفقهية ‏والعبارات البلاغية والبيانية المختومة في بعض الأحيان بالسجع. ‏

  أما موارده الـمُشَكَّلة من النصوص والروايات والأقوال التي اعتمد عليها ـ رحمه الله ـ في ‏بيان منطوق كلمات النظم ومفهومها، وما استنبطه منها من أحكام، فهي كثيرة جدا، يأتي في ‏مقدمتها أمهات المذهب المشهورة، ثم تلك التي ألفت بعدها مثل: «المقرب في اختصار ‏المدونة» و«منتخب الأحكام»، كلاهما لأبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي ‏زمنين(ت399هـ)، و«المقصد المحمود في تلخيص العقود»، لأبي الحسن علي بن يحيى بن ‏القاسم الصنهاجي الجزيري(ت585هـ)، و«المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل ‏الأحكام»، لأبي الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي(ت606هـ). كما اعتمد رحمه الله ‏على بعض الفتاوى الصادرة من: أبي سعيد فرج بن قاسم بن لب التغلبي(ت 782هـ)، وأبي ‏إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي(ت795هـ)، وأبي القاسم محمد بن محمد بن سراج ‏الأندلسي(ت848هـ).‏

  ومما وجب التنبيه عليه أن هذا الكتاب قد اعتمده جمهور القضاة والفقهاء ممن جاءوا بعد ‏المؤلف في دواوينهم، خصوصا أولئك الذين شرحوا نظم والده، أمثال: أحمد بن عبد الله ‏اليَزْنَاسي في شرحه الموسوم بـ: «وشي المعاصم في شرح تحفة ابن عاصم»، وأبي عبد الله محمد ‏بن أحمد بن محمد مَيَّارة(ت1072هـ) في شرحه الموسوم بـ: «الإتقان والإحكام في شرح تحفة ‏الحكام»، وأبي الحسن علي بن عبد السلام التَّسُولي(ت1258هـ)، في شرحه: «البهجة في ‏شرح التحفة»، ومن شراح الشيخ خليل الذين نقلوا عنه: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ‏عليش(ت1299هـ)، في كتابه: «منح الجليل في شرح مختصر خليل».‏

  كما حظي الكتاب بثناء العلماء عليه، يقول فيه أبو العباس المقَّرِي في أزهار الرياض(1/145): ‏‏«وله عدة تآليف منها شرحه العجيب على تحفة والده في الأحكام، وهو كتاب نافع، فيه فقه ‏متين، ونقل صحيح». وفي حقه قال أبو عبد الله ميارة في شرحه(1/3): «احتفل فيه بجودة ‏القريحة، وأكثر من النقول الصحيحة، فأبدأ وأعاد وأجاد وأفاد، فجزاه الله خيرا، وأجزل أجرا، ‏إلا أنه قد أغفل عن حل مقفلاته ما يعده الحداق من معضلاته».‏

  طبع الكتاب منذ سنتين تقريبا بتحقيق إبراهيم عبد سعود الجنابي، نشر دار ابن جزم.‏

 

بيانات الكتاب:‏

الكتاب: شرح ابن الناظم لتحفة الحكام، لأبي يحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن ‏عاصم القيسي الأندلسي الغرناطي(ت 857هـ).‏

مصادر ترجمته في: كفاية المحتاج(422—423)، وأزهار الرياض(1/145-186).‏

دار النشر: دار ابن حزم، تحقيق إبراهيم عبد سعود الجنابي، الطبعة الأولى ‏‏1434هـ/2013م).‏

 

إنجاز: د. رشيد قباظ



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن الطلاع تـ497هـ

أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن الطلاع تـ497هـ

 يعد كتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، للإمام الفقيه المشاوَر أبي عبد الله محمد بن فرج القرطبي المالكي المعروف بابن الطّلاَّع(ت497هـ) من المصادر التي اعتنت بمعالجة أمر القضاء في الإسلام، وبيان عظم شأنه.

التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين

التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين

يندرج كتاب «التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين»، ضمن الكتب المؤلفة في القضاء، بل هو من المؤلفات الفريدة في بابه، ومؤلفه أحد أعلام القرن الهجري الثامن، وهو أبو زكرياء يحيى بن محمد بن الوليد الشِّبلي، وقد ضَنَّت المصادر بذكر ترجمته وأخباره فلم نظفر من ذلك بشيء، إلا أنه وُصف في ديباجة إحدى النسخ الخطية للكتاب بالشيخ الفقيه الإمام العالم، وفي أخرى بزيادة:«الحافظ المحقق الذَّكي»، وهذه التحلية تدل على أنه تبوأ مكانة علمية كبيرة في زمانه.

الأحكام لعبد الملك بن حبيب تـ238هـ

الأحكام لعبد الملك بن حبيب تـ238هـ

  كتاب: الأحكام للعلامة عبد الملك بن حبيب الأندلسي، من أوائل الكتب التي ألفت في الأحكام، المنضوية تحت كتب القضاء، وما يجري به عمل القضاة والحكام والمفتين، إن أمكن اعتباره أوَّلَ ما أُلِّفَ استقلالا في هذا الباب.

المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام

المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام

 يُعتبر كتاب: المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام، للعلامة أبي الوليد هشام بن عبد الله بن هشام، الأزدي، القرطبي، المالكي(ت606هـ)، من كتب مسائل الأحكام المندرجة تحت مؤلفات كتب القضاء، التي سطرتها يد عدد من علماء السادة المالكية، دبّجوها لإفادة القضاة فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام، ولغيرهم ممن يأتي بعدهم من أهل العلم.

البهجة شرح التحفة لأبي الحسن التُّسولي تـ1258هـ

البهجة شرح التحفة لأبي الحسن التُّسولي تـ1258هـ

كتاب البهجة شرح التحفة هو من أوعب الشروح الموضوعة على كتاب تحفة الحكّام للقاضي أبي بكر محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الذي يندرج تحت باب علم الوثائق والشروط؛ وضعه صاحبه القاضي الفقيه النوازلي المالكي علي بن عبد السلام، أبو الحسن التسولي الفاسي الملّقب بِمْدِيدَش(ت 1258هـ).