نصوص في الآداب والأخلاق والوعظ

من إسراع الغيث إلى المتوكلين على الله تعالى
من إسراع الغيث إلى المتوكلين على الله تعالى

 

 

 

  قال الحافظ أبو القاسم ابن بشكوال(ت578هـ) في كتابه المستغيثين بالله تعالى عند المهمّات ‏والحاجات:‏

‏  «أخبرنا أبو محمد بن عتاب، عن أبيه، عن خلف بن يحيى، عن عبد الرحمن بن مدراج، عن إبراهيم ‏بن حميد، قال: حدثنا عمر بن عبد الله بن سهل البغدادي الصيدلاني، قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن ‏سنان الواسطي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: غدوت إلى أصبغ بن يزيد ‏الوراق أريد أن أسمع منه، فوجدته شديد الغم، فقلت: يرحمك الله، مم غمك؟ قال لي: إن كنت ‏تريد أن تكتب، فاكتب وإلا فانصرف، فكتبت وانصرفت.‏

  فلما كان اليوم الثاني، غدوت إليه فوجدته قد تضاعف غمه، فسألته عن ذلك؟ فقال: إن أردت ‏الكتاب فاكتب وإلا فانصرف، فكتبت وانصرفت.‏

  فلما كان اليوم الثالث، رُحت إليه، فوجدته طلق الوجه مسروراً، فقلت له: أراك اليوم والحمد لله ‏مسروراً، وكنت بالأمس مغموماً، فما الخبر؟

  فقال: أما إنك لولا سؤالك في اليوم الخالي ما أخبرتك، ولكني أُعلمك أني مكثت أنا ومن عندي ‏ثلاثا لم نطعم طعاماً، فلما كان اليوم خَرَجَتْ إليَّ ابنتي الصغيرة، فقالت: «يا أباه، الجوع»، فتركتها ‏وأتيت الميضاة فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، ومددت يدي لأدعو، فأُنْسِيتُ ما كنت أُحسنه ‏من الدعاء، فقلت: «اللهم إن كُنْتَ حرمتني الرزق، فلا تحرمني الدعاء»، فألهمت أن قلت: «اللهم ‏خشعت الأصوات لك، وضلت الأحلام فيك، وضاقت الأشياء دونك، وهرب كل شيء منك ‏إليك، وتوكَّلَ كل مؤمن عليك، فأنت الرفيع في جلالك، وأنت البهي في جمالك، وأنت العلي في ‏قُدرتك، يا من هو في عُلوه دانٍ، وفي دُنوه عالٍ، وفي سلطانه قوي، صلِّ اللهم على محمد وعلى آل ‏محمد، وافتح عليَّ منك رزقاً لا تجعل لأحد عليَّ فيه منة، ولا لك علي في الآخرة تبعة، برحمتك يا ‏أرحم الراحمين».‏

  قال: ثم انصرفتُ إلى البيت، فإذا ابنتي الكبيرة قد قامت إلي وقالت: يا أباه، قد جاء الساعةَ عمي ‏وجاء بهذه الصرة من الدراهم، وبجِمال عليه دقيق، وحمال عليه كل شيء في السوق، وقال: أَقرِءوا ‏أخي السلام، وقولوا له: إذا احتجت إلى شيء، فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك.‏

  قال أصبغ: ولا والله ما كان لي أخٌ قط، ولا أعرف من كان هذا القائل، ولكن الله على كل شيء قدير، ‏والحمد لله رب العالمين».‏

  كتاب المستغيثين بالله تعالى عند المهمّات والحاجات(ص65-66)، لأبي القاسم خلف بن عبد بن بشكوال الخزرجي ‏الأنصاري الأندلسي (ت578هـ)، دراسة وتحقيق مانويلا مارين، نشر المجلس الأعلى للأبحاث العلمية معهد التعاون مع ‏العالم العربي، 1991م.‏

 

‏  انتقاء: د. نورالدين شوبد.‏

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

السلامة في السكوت عن عيوب الناس

السلامة في السكوت عن عيوب الناس

  أَدْرَكْت بهَذهِ الْبَلْدَة - يعْنِي الْمدِينَةَ - أقْواماً لم تَكُن لهُم عُيُوبٌ، فعابُوا النَّاسَ؛ فصَارَت لهم عُيُوبٌ، وأَدْرَكَتُ بهَا أقْوَاماً كانَتْ لهُم عُيُوبٌ، فسَكَتُوا عَن عُيُوبِ النَّاسِ؛ فنُسِيتْ عُيُوبُهُمْ.

وصية المقري لطالب العلم الشرعي

وصية المقري لطالب العلم الشرعي

  وَلَا تُفْت إلَّا بالنَّصِّ، إلَّا أَن تَكُون عَارِفا بوجُوه التَّعْلِيل، بَصِيراً بمَعْرِفة الأشْبَاهِ والنَّظَائِر، حَاذِقا في بَعْضِ أصُولِ الفِقْهِ وفُروعِهِ، إمَّا مُطْلَقا، أو عَلى مَذْهَب إمامٍ من العَدْوَة.

جزاء النصح لله

جزاء النصح لله

ما ناصحَ اللهَ عبدٌ مسلمٌ في نفْسه فأخَذ الحقَّ لها، وأعطى الحقَّ منها، إلا أُعْطيَ خصْلتان: رزقٌ من الله يقْنع به، ورضىً من الله عنه.

معْنى الزُّهْد

معْنى الزُّهْد

قال الإمام مالك، رحمه الله في معنى الزهد: الزُّهْد في الدِّين: طِيبُ المكْسَب، وقصَرُ الأَمَل.

من علامات السَّعادة على العبد‏

من علامات السَّعادة على العبد‏

  الطُّرق إِلَى الله كثِيرةٌ، وأوضَحُ الطُّرقِ وَأبعَدُها عن الشُّبه: اتِّبَاعُ السُّنةِ قوْلاً وفعْلاً ‏وعزْماً وعقْداً ونِيَّةً؛ لأنَّ الله يقولُ: "وإن تطيعوه تهتدوا"‏.