نصوص في السيرة النبوية

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

 

 

 

   يقول الشيخ أبو سرحان مسعود بن محمد بن علي السجلماسي الفاسي الملقب بجمّوع(ت1119هـ)، تنبيهاً منه على أهمية مناسبة المولد النبوي الشريف:

 

  اعلم أن أفضـل ما في العـام ليلة مولـده صلى الله عليه وسلم، حتى من ليلة القـدر التي قال الله فيها: (خير من ألف شهر)[القدر: 3]، والإجـمـاع وقـع على ذلك.

  وقد نصّ صاحب الـمعيار على أنـها أفضل من ليلـة القدر بنيـف وعشرين وجـها، وانظر الـمواهب اللدنية.

  وإنـما لم يجعل الله تعالى في يوم مولـده ﷺ من التكليف بالعبـادات، كما جعل ذلك في يوم الجمعة الـمخلوق فيه آدم عليه السلام: إكـراماً لنبينا محمد ﷺ بالتخفيف عن أمته، بسبب عناية وجوده، قـال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[الأنبياء: 106]، ومن جملة ذلك عدم التكليف.

  وينبغـي لكل مسلم أن/ يظهر السرور بـمولده ويبذل ما تصل القدرة إليه، بمحبته، ويعتني بوقت مولده الشريف، وعمل الـمولد على الـمنهج الذي سلكه ذوو القدر المنيف: من قراءة القرآن، والإنشاد للمدائح النبوية، والزهدية، وإطعام الطعام، والصدقات السنية، فيثـاب على ذلك الثـواب الجزيل بقصـد الجميل.

  وإن كان عمل الـمولد لم ينقل عن أحد من السلف في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد ذلك، وقد استخرج له الحافظ ابن حجر أصلاً من السُّنَّة.

  وكذلك الحافظ الجلال السيوطي نـوَّر الله ضريـحهما، وأفاض علينا من بركتهما.

  وقال شهاب الدين أبو شامة رحـمه الله: ومِن أحسن ما ابـتُدِعَ في زمانـنا ما يفعل كل عام في اليوم الـموافق ليوم مولده  من الصدقات، والـمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مُشعِرٌ بـمحبته  وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على من به من إيجـاد رسوله  الذي أرسله رحـمة للعالمين. انتهـى.

  وأول من أحدث عمل الـمولد من الـملوك، صاحب إربل، وكان أشـد عناية، جاوز فيه الغاية، وكان يصرف عليه في كل سنة ثلاثـمائة ألف دينار.

  قال ابن الجزري المقرئ رحمه الله: وكان مـما جرب من خواص عمل المولد المذكور، أنه أمـان تام في ذلك العام/، وبشرى تعجّل بنيل ما يبتغى ويـرام.

  ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان، وإنـما لمن يتخـذ عيداً؛ لأنه لما كان يوم مولده  هو يوم وفاته فكفأ السرور بالعزاء، أو يقال إن الأعياد توفيقيـة، ولم يشرع غير هاذين اليومين يوم الفطر، ويوم الأضحـى، وإلا في الحقيقة إن مولده  عيد الإسلام وأي عيد، وينبغي لكل محب أن يـمتع أولاده وأهله بـمـا أمكن له ويدخل السرور عليهم.

  وأن يتحف مؤدب الأطفال بمـا تيسر، ويعلمهم أنه ما فعل ذلك إلا محبة، وسروراً بتلك الليلة، واعتناء بفضلها، ويبين لهم أنها أشرف الليالي عند الله، ويذكر لهم صفة رسول الله  وجماله، وحسنه، وكمـاله، وفضائله، وشمـائله، وكلامه، وفصاحته، وكرمه، وجوده، وخلقه، وصفوه، وصفحه، ومعزاته، وكل ما يحببه في قلوبهم، ويعظمه لديهم.

  وينبغي التجمل فيه بمـا أمكن من اللباس المأذون فيه، واختار جماعة من العلماء الفطر في ذلك اليوم؛ لأنه يوم سرور.

  وحكاية الشيخ سيدي الحاج ابن عاشر مع الشيخ سيدي محمد بن عباد رحمه الله مشهورة.

  وقد سئل العارف بالله سيدي محمد المذكور عما يصنع في المولد عن الصلاة على النبي  بالدائرة وغيرها فأجاب بما نصه: فالوجه عندي ألا يعترض على/من فعله، ولا ينكر شيء من هذا الجنس، وأن يعتقد فيه وفي أمثاله الإباحة، والتوسعة، ولا يقال حرام، ولا بدعة، إن لم يصادم سنة ثابتة، ولم يؤد في استعمـاله إلى منكر، ولا محظور، بل ينبغي أن يكون مندوباً، أو مطلوباً لقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون)[الحج: 75].

  هذا والله خير، والذي يظهر أن الدين إذا قلّ، وتمسك الناس بشيء مما يظهر من آثاره، كأمثال هذه المسائل التي تشم فيها روائح الدين، لم ينبغِ لأحدٍ أن ينكر ها. انتهى.

  وينبغي لمحبه عليه الصلاة والسلام أن يشتغل في تلك الأيام بذكر محاسنه، وفضائله، ويتقرب إلى الله بأمداحه، وإنشاد القصائد المحتوية على معجزاته، ومفاخره، وأما القيام له  إذا ساق الوعاظ والمداح مولده فبدعة، لكن لابأس به، بل هو فعل حسن لمن غلب عليه الحب والإجلال بهذا النبي الكريم  .

  وقد وجد القيام عند ذكر اسمه  من عالم الأمة، ومقتدى الأئمة، ديناً وورعاً الإمام تقي الدين السبكي، وتابعه على ذلك مشائخ الإسلام في عصره، ويكفي ذلك في الاقتداء.

  وما أحسن قول القائل:

             قَلِيلٌ بِمَدْحِ المُصطَفَى الخَطُّ بِالذَّهَبْ  ...  عَلَى فِضَّةٍ مِنْ خَطِّ أَحْسَنَ مَنْ كَتَبْ

             وَأَنْ يَنْهَضَ الأَشْـَرافُ عِندَ سَـمَـاعِهِ ...  قِيَّاماً صُفُوفاً أَو جُثِيّاً عَلَى الرُّكَبْ

 

نفائس الدرر من أخبار سيد البشر: (1/ 147-152)، مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، الطبعة الأولى: 1431هـ/2010م.

 

انتقاء: د. طارق طاطمي



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

قال القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت 544هـ):

«ولا خفاء بما يُؤْثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عُرِفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما...

 

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

  لاحظت في كتابي «أدب الفقهاء» أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم مما اختص بهم شائخ العلم وأدباء الفقهاء، وأنه بعد شعراء الصحابة الذين عاصروا ظهور الإسلام كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، لم يتعاط أحد من شعراء العربية الكبار في العصر الأموي والعصر العباسي هذا اللون من المدح الذي يعد فنا من فنون الشعر العربي.

مناسبة المولد النبوي

مناسبة المولد النبوي

سُئل الإمام أبو عبد الله بن عبّاد عمّا يقع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم من وقود الشمع وغير ذلك لأجل الفرح والسرور بمولده عليه السلام. فأجاب: الذي يظهر أنّه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكلّ ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك؛ من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر، وتنزّه السمع والنظر، والتزيّن بما حسن من الثياب، وركوب فَارِه الدّواب أمر يباح لا ينكر.

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو القاسم الفيجيجي أن من نظمه هاذين البيتين في نسب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهما:

علقتُ شفيعاً هال عقلي قرانه* كتابٌ مبينٌ كسب لُبّي غرائبه

فذا معشر نفسي كرام خلاصتي* على الفهم منذ نيل مجد عواقبه

تعظيم العليّ الأعلى لقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا

تعظيم العليّ الأعلى لقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا

قال الفقيه القاضي الإمام أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي رحمه الله في كتابه الماتع: الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم (ص1/45): «لا خَفَاء على من مارس شيئا من العلم، أو خُصَّ بأدنى لمحة من الفهم، بتعظيم الله قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام،...