الرسالة وشروحها

حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني
حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني

 

 

 

  نالت رسالة ابن أبي زيد القيرواني اهتماما بالغا عند علماء المذهب المالكي، لذا شرحوها وعلَّقوا عليها ونظموها، وجاء بعض متأخريهم فاطلع على بعض تلك الشروح، فرأى أنها في حاجة إلى تبيين بعض ما فيها من غموض، أو توجيه معنى، أو ضبط كلمة، ومن بين هؤلاء الذين اعتنوا بأحد شروحها العلامة: أبو الحسن علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي المالكي، كان يدرس في مجلسه شرح أبي الحسن علي بن محمد ـ ثلاثا ـ المنوفي المصري (ت:939هـ)، المسمى: كفاية الطالب الرباني، وكان يقيد عليه بعض ما يعرض له من تقاييد وفوائد ونكت ومسائل، فارتأى أن يجمعها لعلَّ الله تعالى أن ينفع بها، فقال  في المقدمة «لما أراد المولى جل جلاله، وعظم شأنه، بالمذاكرة مع الإخوان في كفاية الطالب الرباني، على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وظهر بعض تقاييد أردت أن أجمعها لنفسي، ومن هو قاصر مثلي ـ وهذا تواضع منه رحمه الله وليس حقيقة ـ ، جعلها الله خالصة لوجهه الكريم ....».

  وكان من عادة أهل العلم أن يذكروا شيئا غير بواعث التأليف في مقدمة كتبهم، كاصطلاحهم في كتابهم وما إلى ذلك، إلا أن العدوي رحمه الله لم يفعل ذلك، بل تناول التعليق على كلام الشارح مباشرة.

  والملاحظ في تقاييد العدوي اهتمامه البالغ بالجانب اللغوي، والتوجيه النحوي، وضبط اللفظ وشكله بالحروف، ثم يعرج على شرحه إن كان من غامض الألفاظ، وقد أكسب هذا المنحى في الطرح حاشيته نوعا من الدقة المتناهية، حيث ينطلق من اللغة ثم يؤسس عليها.

  أما مصادر أبي الحسن العدوي فكثيرة ومتنوعة، فأينما وجدت الفائدة ساقها، سواء كان المصدر من كتب التفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو اللغة، أو الشعر والأدب، وينسب في ذلك كله القول إلى قائله، فمرة يصرح أثناء نقله باسم الكتاب، وأخرى باسم صاحبه، وقد نقل عن أئمة المذهب المالكي باستفاضة، متقدميهم ومتأخريهم، كابن حبيب، وابن نافع، وابن شعبان، واللخمي، وابن عرفة، وابن ناجي، وغيرهم، كما نقل عن غيرهم من علماء المذاهب الإسلامية كالنووي، والقسطلاَّني، والبيضاوي، والزَّمخْشَرِي، والدُّلَجي.

  وقد استعمل رحمه الله تعالى رموزا لبعض الأعلام المشهورين في المذهب المالكي، تبعا لصاحب الشرح أبي الحسن المنوفي ك: "ج"، و"ع"، و "ك"، فالأول لأبي القاسم ابن عيسى بن ناجي (ت:837هـ)، والثاني ليوسف بن عمر الفاسي(ت:761هـ)، والثالث لعلي بن أبي اليُمْن علي اللخمي، الشهير بتاج الدين الفاكهاني (ت:734هـ).

  كما استعمل العدوي اختصارات أخرى، لكنه لم ينبه عليها في مقدمة تأليفه، منها: "تت"، و"عج"، فالأول اختصار لأبي الحسن يوسف بن حسن بن مروان التَّتائِي، حَجَّ سنة: 903هـ، والثاني لأبي الإرشاد علي بن زين العابدين الأُجْهوري (ت:1066هـ).

  وقد احتوت حاشيته جملة من الأحاديث من الموطإ والصحيحين والسنن وغيرها، مستدلا ومناقشا ومحللا، والغالب على الحاشية تتبعه لأقوال الشارح، فيستدل لها أحيانا، ويوجهها مرة، وأخرى يعترض ويلتمس الوجه الصواب، ويورد الراجح والمشهور في المذهب، مع براعة في التوجيه، وقمة في اقتناص الاستدلال، وروعة في التعليل، واعتناء جيد باختلاف الروايات سواء منها الحديثية، أو الأقوال داخل المذهب، وإذا ظهر له في كلام الشارح شيء ساقه ثم قال عقبه: «وفي عبارته بحث»، أو « نظر»، وأحيانا يختم فقرته التي فيها رصد لبعض الأقوال المختلفة في المسألة بقوله: «فتدبر»، وهذا كله في أسلوب سلس بديع خال من تعقيد اللفظ، وجفاء لغة الفقهاء، مما يجعله سهل التناول والمراجعة عند المبتدئين والمنتهين على السواء.

  ومما أُعجبتُ به في الحاشية أنه عندما يُنهي النص المنقول يكتب عبارة «اهـ»، دالة على انتهاء النص المراد، والجزء المقصود منه، وهي عبارة يَعرف المعتنون بالتراث دلالتها، وما تسعف به في كثير من الأحيان، خاصة عند انعدام الأصول.

  ورغم أن الكتاب حاشية فقط، إلا أن أهل العلم اعتنوا به، فقد نقل عنه العلامة أبو العباس أحمد بن محمد، الشهير بالصاوي (ت:1241هـ) في كتابه: بلغة السالك لأقرب المسالك، المعروفة اختصارا بحاشية الصاوي على الشرح الصغير للعلامة الدردير لكتابه أقرب المسالك، رحم الله الجميع بمنه وكرمه.

 

   الكتاب: حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني.

   المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن مكرم الله العدوي الصعيدي المالكي(ت 1189هـ/1775م).

   من مصادر ترجمته: سلك الدرر (206:3)، وعجائب الآثار (647:1) حوادث سنة: 1189هـ، وشجرة النور (ص:341)، وكنز الجوهر (ص:160).

   الثناء عليه: قال العلامة: محمد مخلوف عنه: «له مؤلفات دالة على فضله».

   طبعة الكتاب: دار الفكر، سنة: (1412هـ/1992م)، وطبع طبعات أخرى.

 

 إنجاز: د. سعيد بلعزي.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة

تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة

يندرج كتاب تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة ضمن الشروح الجليلة على كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ويتميز هذا الشرح تبعاً لأصله بمعالجة موضوعات مهمة وأبواب فقهية متنوعة مفيدة، وهو يتميز أيضاً ببيانه وجوه إفادات النص والدليل من اللغة والبيان والأصول.

مُرشد المبتدئين إلى معرفة معاني ألفاظ الرسالة لأبي محمد الكرامي تـ882هـ

مُرشد المبتدئين إلى معرفة معاني ألفاظ الرسالة لأبي محمد الكرامي تـ882هـ

كتاب (مرشد المبتدئين إلى معرفة معاني ألفاظ الرسالة)، لأبي محمد سعيد بن سُليمان بن سعيد الكُرَّامِي–بالكاف المعقودة-السَّمْلَالي الـجَزُولِـي(ت882هـ)، من أوسع الشّروح السّوسية مادة، وأغزرها فائدة ونُكَتا، تصدّى فيه صاحبه لشرح كتاب رسالة ابن أبي زيد، الذي يُعَدُّ من أعتق المصادر المعتمد عليها عند جمهور فقهاء المذهب المالكي شرقا وغربا،..

كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني

كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني

  كفاية الطالب الرباني تعليق لطيف لخّصه أبو الحسن الشاذلي(ت939هـ) من شرحيه الوسط والكبير، تلخيصاً حسناً، مجتنباً فيه التطويل الممل والاختصار المخل؛ لينتفع به ـ إن شاء الله تعالى ـ المبتدي لقراءتها والمنتهي لـمطالعتها.

تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة

تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة

حظيت رسالة ابن أبي زيد القيرواني بكبير عناية واهتمام من لدن علماء المذهب المالكي قديماً وحديثاً، فكان الاشتغال عليها نظماً وشرحاً وتقييداً، ويعد كتاب:«نظائر الرسالة» لابن غازي المكناسي (ت919هـ) أهم عمل علمي خدم الرسالة؛ إذ نظم فيه صاحبه جميع ما أشكل من المسائل في رسالة ابن أبي زيد على بحر الرجز، في أوجز عبارة وأدقّ لفظ، تيسييراً على طلاب العلم في حفظها، وبيانها، واستيعابها.

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لابن ناجي القيرواني

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لابن ناجي القيرواني

تعتبر رسالة أبي محمد ابن أبي زيد القيرواني أفضل ما ألف في الفقه المالكي للمبتدئين، بل تعتبر أحسن متن ألف في الفقه المالكي على الإطلاق، من حيث السهولة واليسر والاستيعاب والضبط، وحسن السبك عبارة وإشارة.