نصوص في التراث والتاريخ والمناقب

العوائد المزرية في عاشوراء
العوائد المزرية في عاشوراء

 

 

 

  يقول العلامة المختار السوسي رحمه الله في كتابه الماتع المعسول (1/30-31): «اعتاد الإلغيون أن يعمد بعضهم في عشية التاسوعاء إلى الغثاء الذي تتركه السيول ضفاف مسيلات الماء فيأخذون منه، وهو يضم ما يضم من أبعار وأعواد صغار، فيبخرون به الديار في صبيحة عيد عاشوراء دفعا لتأثير الجن، وقد رأيت عجوزا تفعل هذا أول ما نفيت إلى إلغ, فكان ذلك هو السبب حتى صرت أبحث عن مثل هذه العادات. وكذلك يعمد في سحر عاشوراء إلى استقاء الماء من الآبار, ظنا من الساقين أن الآبار تستمد من بئر زمزم في ذلك الوقت ومن ذلك اليوم، فيرش بذلك الماء جميع زوايا الديار تبركا، خصوصا أهراء الزرع وحظائر المواشي.

  وفي ليلة عاشوراء يخرج رعاع الشباب زمراً زمراً إلى بعيد من قريتهم فينادون ـ فيما زعموا ـ على الذئب أن يبعد عن غنمهم، فيبنون هناك أحجارا في محلات، ثم يرجع الجميع وهم يغنون غناء معلوما محفوظا متوارثا إلى أن يصلوا القرية فيبيتون على لعب أحواش، وفي صبيحة عاشوراء يبكر جميع الناس رجالا ونساء إلى زيارة المقابر من غير اختلاط يترحمون على أهاليهم ويتصدقون، والغالب أن يصبح الرجال وغالب النساء صائمين، بل ترى الفقهاء والمتنسكين يحرصون على الاثنتي عشرة خصلة التي ذكرها العلماء من خصائص عاشوراء من صوم، وصدقة، وزيارة عالم، وصلة رحم، ومسح رأس يتيم، وصلاة ركعتين، وتوسعة النفقة، واغتسال، وعيادة مريض، واكتحال، وقلم أظفار، وقراءة سورة الإخلاص ألفا، وأهل الحديث يعلنون أنه لا يصح من هذه إلا الصوم، وإلا التوسعة على العيال الذي ورد في حديث حسن، وقد رأيت أحد عُمَد الإلغيين من أهل العلم يوصي بغسل ثيابه ذلك اليوم، وكذلك يجتمع أهل القرى على توزيع بقرة ونحوها يفرقونها على الديار، ويؤجلون في ثمنها بضمان، ومن كانت لهم غنم لها راع فإن مغرس ذنب كبش عيد الأضحى الذي جعل قديدا يعطي في يوم عاشوراء للراعي وهو يأكله في ذلك اليوم، وهم يحرصون على أن يستدير شيء من قديد الأضحية على دور السنة في ديارهم تبركا به.

  هذا ولا يشتغل بهذه العوائد في عاشوراء إلا الرعاع والعجائز، وأما العقلاء فإنهم لا يتنازلون إلى تلك الميادين ـ وحاشاهم ـ فإنهم لا يزالون ضد هذه البدع».

 

 كتاب المعسول للعلامة المختار السوسي، طبع عام 1960م، دون بيانات أخرى للنشر.

 انتقاء: د. نور الدين شوبد.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

وصية الإمام جعفر الصادق باتباع فقه أهل الحجاز ومذهب الإمام مالك رحمه الله

وصية الإمام جعفر الصادق باتباع فقه أهل الحجاز 
ومذهب الإمام  مالك رحمه الله

قال عيسى بن مسعود بن منصور الزّواوي(ت743هـ)، في مناقب سيدنا الإمام مالك: رُوِي عن جعفر بن محمد الصادق: أنه دخل عليه قوم من أهل الكوفة في مرضه الذي مرض فيه، فسألوه أن يُنَصِّبَ لهم رجلا يرجعون بعده إليه في أمر دينهم،..

حال الفقه ببلاد سوس

حال الفقه ببلاد سوس

 كل من له اطلاع يعلم أن هذا فن الفقه في المغرب كله، كان دائماً بين مد وجزر، فكأن هذا الوصف، إن أردنا التدقيق مِما ينسحب أيضا على سوس الفقهية؛ لأنَّها دائماً عضو من جسد المغرب الملتحم في الدراسة، فالقطب هو فاس، ثُم الْحَمْراء، ومنهما تستقي كل طبقة طبقة، فمتى علت الدراسة هناك علت في الأطراف، وإن حدث فيها تأخر سرى التأخر في مَجموع المغرب، لا جميعه.

كتاب التيسير في صناعة التسفير

كتاب التيسير في صناعة التسفير

 صناعة التسفير كما نقول هنا في الغرب، أو التجليد كما يقولون في المشرق، صناعة مهمة ازدهرت على عهد المدنية العربية ازدهاراً كبيراً حتى تحولت من مجرد كسوة الكتاب بالجلد أو جعل سفر لحفظه إلى فن جميل يدخل في عداد الفنون العربية الجميلة، المعروفة بالأرابيسك، فما شئت من زخرفة وتزويق وتلوين وتذهيب.

حادثة 8 أبريل 1947م

حادثة 8 أبريل 1947م

  رثى العلامة عبد الله كنون مدينة الدار البيضاء، إثر المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الفرنسي في حق ساكنة المدينة في أبريل 1947م، فقال رحمه الله في قصيدة عنوانها: « حادثة 8 أبريل 1947م»:  أرى هادي الطريق يجور عمدا......فكيف بلوغ من يهديه قصدا؟

لسان الدين ابن الخطيب: الكاتب الساخر

لسان الدين ابن الخطيب: الكاتب الساخر

 تكلم الناس عن لسان الدين ابن الخطيب وزير غرناطة الداهية، وأديب الأندلس الكبير بما لا مزيد عليه، فمنهم من خص ناحية من نواحي شخصيته المتعددة، ومنهم من عم كالحافظ المقري صاحب نفح الطيب الذي هو من أكبر الكتب المعروفة التي وضعت في ترجمة شخص معين.