كتب الفقه العامة

كتاب الواضحة لعبد الملك بن حبيب الأندلسي
كتاب الواضحة لعبد الملك بن حبيب الأندلسي

يعد كتاب الواضحة في السنن أحد أمهات المذهب المالكي، ألفه عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب بن ربيع بن سليمان بن هارون بن جاهمة بن عباس بن مرداس بن عامر السُّلمي الأندلسي، أبو مروان (ت 238هـ)، ولد سنة 174هـ، وسكن قرطبة، وتفقه بالغازي بن قيس وغيره، ثم ارتحل إلى المشرق وحج، وزار مصر، وأخذ عن عدة من أصحاب مالك والليث بن سعد، وكانت وفاته بقرطبة.

وكتابه الواضحة في السنن صنفه على أبواب الفقه، وضم فيه بعض سماعاته من أصحاب مالك من المدنيين والمصريين ووضحها.

  والقطعة التي بين أيدينا من هذا الكتاب تحتوي على الجزء السادس من واضح السنن في الصلاة، ومن كتاب الإمامة والعمل فيها، والسنة فيمن حضرته الصلاة وهو في الماء والطين، وصلاة الغريق، ومن صلى جنبا، والسنة في النجاسات، وكتاب صلاة المسافرين وهو الجزء الثامن من الصلاة، والجزءين الأول والرابع من واضح السنن في مناسك الحج كله ورغائبه وسننه وشعيرته.

وقد تضمن هذا السفر أحاديث نبوية، وسير الصحابة ومن بعدهم من فقهاء الأمصار رواها ابن حبيب بإسناده، وكان منهجه فيها أنه يورد الحكم في المسألة ثم يستدل بالسنة وأقوال الفقهاء على جهة الاختصار، إلا اذا احتاج الأمر إيضاحا فيفصل في المسألة، واعتمد أيضا في رواية بعض الروايات والآثار الإسناد الجمعي إلى جانب الإسناد الفردي ، إلا أنه لم يكن دائما  معتنيا بالإسناد، بل حدث أن ذكر أحاديث صحيحة مجردة عن الإسناد، ولا يخلو هذا الكتاب من بعض الآيات القرآنية المفسرة، وترجيح الصواب في بعض القراءات، و الاحتكام إلى اللسان العربي.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       

وإن المتأمل في الواضحة يلحظ تأثير منهج الإمام مالك في الموطأ، فهو كتاب حديث وفقه، وكذلك جاءت الواضحة لابن حبيب المالكي، ولكن مع هذا كله يمكننا رصد معالم الملكة الفقهية لدى ابن حبيب من خلال اختياراته وترجيحاته منها ما جاء في القراءة في ركعتي رغيبة الفجر : «وقد روى مالك عن يحيى بن سعيد: أن عائشة كانت تقول: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخفف ركعتي الفجر حتى إن كنت لأقول أقرأ بأم القرآن أم لا، وكان مالك يقتصر في القراءة فيهما على أم القرآن لحديث عائشة هذا. قال عبد الملك: وليس في حديث عائشة ما ينهى عن القراءة بغير أم القرآن فيهما مع أم القرآن إذا خفف القراءة فيهما ولم يطول، وإنما وصفت عائشة التخفيف ولم تقل إنه لم يكن يقرأ فيهما بغير أم القرآن».

  كما نلحظ عنده أيضا حسن البيان والإيضاح في معرفة أنواع الهدي وأحكامه، وهذا إنما يدل على استقرائه لنصوص الشريعة، ودقة استنباطه للأحكام منها. يقول رحمه الله في الهدي: «والهدي هديان: هدي تطوع وهدي واجب ؛ والهدي الواجب هديان: هدي البدن وهدي جبران الحج».

 وقد تعددت مصادر عبد الملك بن حبيب في الواضحة، حيث روى في هذا السفر الذي بين أيدينا عن أكثر من عشرين روايا ( 26 راويا)، و فيه أيضا ثمان بلاغات، وثلات روايات لم يصرح بذكر اسم من روى عنه فيها، وإنما اكتفى بقوله« حدثني من أثق به».

    وقد أثنى غير واحد من العلماء على عبد الملك بن حبيب، وشهدوا له بعلو كعبه في الفقه والعلم، من هؤلاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي (ت 255هـ)، قال بعد أن ذكر الواضحة: «رحم الله عبد الملك ما أعلم أحداً ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه ولا لطالب أنفع من كتبه ولا أحسن من اختياره وألف كتباً كثيرة حساناً في الفقه والتاريخ والأدب منها: الكتب المسماة بالواضحة في السنن والفقه لم يؤلف مثلها».

 ونظرا للقيمة العلمية  التي يحظى بها كتاب الواضحة في المذهب المالكي، اعتنى به السادة المالكية رواية ودراية، وخاصة من برز منهم في أهل المغرب والأندلس، فمن رواته: ابن المؤلف عبيد الله بن عبد الملك بن حبيب (ت نحو 290هـ) ، ويوسف بن يحيى بن يوسف بن محمد المغامي، أبو عمر الأزدي (ت288هـ)، وسعيد بن فحلون بن سعيد أبو عثمان محدث الأندلس (ت346هـ ) الذي انفرد برواية كتب عبد الملك بن حبيب: الواضحة وغيرها، وكان آخر من روى عن يوسف المغامي.

 وعنيت واضحة ابن حبيب أيضا بالاختصار من قبل ثلة من أعلام المالكية منهم: عبد الله بن محمد بن حنين أبي محمد القرطبي (ت318هـ)، وفضل بن سلمة الجهني (ت319هـ)، وخلف بن أبي القاسم البراذعي (ت372هـ)، واحتفظت لنا المصادر بالكثير من نصوص كتاب الواضحة، ولعل أوفى  هذه المصادر هو كتاب: النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني ( ت 386 هـ ).

طبع الكتاب بتحقيق ميكلوش موراني بدار البشائر الإسلامية ببيروت سنة 1431هـ

 

الكتاب: الواضحة: كتب الصلاة وكتب الحج.

المؤلف: عبد الملك بن حبيب الأندلسي أبي مروان السُّلمي(174هـ 238 هـ)، رواية يوسف بن يحيى المغامي وغيره عن ابن حبيب.

تحقيق وتعليق: ميكلوش موراني.

نشر: مكتبة نظام يعقوبي الخاصة – البحرينـ، سلسلة دفائن الخزائن ( 20 )، دار البشائر الإسلامية بيروت، الطبعة الأولى: 1431 هـ – 2010 م.

مصادر ترجمة المؤلف: تاريخ ابن الفرضي:(1/255)، ترتيب المدارك(4/122-142)، سير أعلام النبلاء:(12/102).

 

إعداد: د. بوشعيب شبون



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المختصر الصغير في الفقه

المختصر الصغير في الفقه

  يعتبر المختصر الصغير من أهم الكتب الفقهية المالكية، من تأليف العلامة الشيخ عبد الله بن عبد ‏الحكم (ت214هـ)، وهو اختصار للمختصر الكبير الذي جرد فيه ابن عبد الحكم أَسْمِعَته عن ‏الإمام مالك وأصحابه، قصره على فقه الموطأ، ولذلك عُنِي به العلماء عناية كبيرة، تمثلت في شرحه، ‏والاستشهاد بمسائله، وزيادة أقوال الأئمة عليه‏.

مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك

مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك

 يعتبر كتاب «مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك» لمؤلفه العالم العلامة الفهّامة محمد بن ‏محمد الأزهري المالكي، السنباوي، الملقب بالأمير الكبير، وهو لقب جده الأدنى أحمد (ت1232ﻫ)، مِنْ أنفس ‏وأشهر الشروح التي أُلّفت على منظومة بهرام بن عبد الله بن عبدالعزيز (ت 805ﻫ)، تلميذ أبي الضياء ‏خليل بن إسحاق (ت776هـ).‏

شرح جامع مختصر ابن عبد الحكم

شرح جامع مختصر ابن عبد الحكم

يمثل كتاب «شرح جامع مختصر ابن عبد الحكم» لأبي بكر الأبهري حلقة ثمينة ضمن حلقات عقد المدرسة المالكية المصرية العراقية، وتتجلى أهميته في جمعه بين إنتاج عالمين جليلين؛ الأول: عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت214هـ) مؤلف الجامع، وشارحه: أبي بكر الأبهري البغدادي (ت375هـ)، والتأليف في مجال الجوامع من الخصوصيات التي تميزت به المدرسة المالكية عن باقي المدارس الفقهية المذهبية الأخرى، فكتب الجوامع عادة تأتي في آخر الدواوين الفقهية، وتشتمل مواضيع متنوعة كالأخلاق والورع والعقائد والفرق وغيرها.

كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي تـ478هـ

كتاب التبصرة لأبي الحسن اللخمي تـ478هـ

اعتنى طلبة الفقه بالمغرب والأندلس بكتاب المدونة، واهتموا بدراسته وحفظه، وكثرت مؤلفاتهم عليه وتنوعت بين شرح واختصار وتعليق، ومن أحسن ما ألف في التعليق على مدونة الإمام مالك كتاب التبصـرة للإمام الفقيه الحافظ أبي الحسن علي بن محمد اللخمي (ت478هـ)،...

لباب اللباب في بيان ما تضمنته أبواب الكتاب

لباب اللباب في بيان ما تضمنته أبواب الكتاب

 كتاب: «لباب اللباب في بيان ما تضمنته أبواب الكتاب من الأركان والشروط والموانع والأسباب»، للإمام القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (ت736هـ)، من المختصرات الفقهية التي أنتجتها المدرسة القيروانية خدمة للمذهب المالكي، ويأتي سياق تأليفه لهذا الكتاب ختاما لمسيرته العلمية التي أفناها في مجالس الدرس والتدريس، وتأليف المؤلفات.