نصوص في الفتوى والقضاء

ما ينبغي للمفتي قوله فيما يؤديه إليه إجتهاده في التحليل والتحريم
ما ينبغي للمفتي قوله
فيما يؤديه إليه إجتهاده في التحليل والتحريم

قال عالم المدينة الإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ) رحمه الله: لم تكن فتيا الناس أن يقال هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقال: أنا أكره هذا ولم أكن لأصنع هذا، فكان الناس يكتفون بذلك ويرضون به، وكانوا يقولون: إنا لنكره هذا وإن هذا ليتقى، لم يكونوا يقولون هذا حلال وهذا حرام. قال: وهذا الذي يعجبني والسُّنة ببلدنا.

قال أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت520هـ) رحمه الله: (( قوله لم تكن فتيا الناس أن يقال هذا حلال وهذا حرام، معناه فيما يرون باجتهادهم أنه حلال أو حرام؛ إذ قد يخالفهم غيرهم من العلماء في اجتهادهم. فإذا قال المجتهد فيما يراه باجتهاده حلالا أو حراما: إنه حلال أو حرام، أوهم السامع بأنه حلال أو حرام عند الجميع، فيحتاج أن يقيد قوله بأن يقول: هو حلال عندي أو حرام عندي. وهذا على القول بأن كل مجتهد مصيب للحق عند الله في حق اجتهاده. وأما على مذهب من يرى أن الحق في واحد وأن المجتهد قد يخطئه وقد يصيبه، فلا يصح له أن يقول فيما يؤديه إليه اجتهاده من تحليل أو تحريم هذا حلال أو حرام بحال، إذ لا يدري على مذهبه لعله عند الله بخلاف ما قاله، فالصواب أن يقول أرى هذا مباحا أو أراه محظورا فيما تعبدني الله به في خاصة نفسي وأن أفتي به. وإن علم أن السائل يكتفي منه بأن يقول له فيما يرى أنه لا يحل له أكره هذا ولم أكن لأصنع هذا، ويكف بذاك عن استباحة ذلك الشيء، ساغ له أن يقتصر على ذلك القول فيه، وبالله التوفيق.

المصدر:  البيان والتحصيل (18/319-340).

البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، ، لمحمد بن أحمد ابن رشد القرطبي، أبي الوليد الجد (تـ520ﻫ)، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية(1408ﻫ-1988م).

 

 

انتقاء: د.مصطفى عكلي 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بيان ما يعتبر من المصالح

بيان ما يعتبر من المصالح

  اعلم وفقنا الله وإياك أن عناية الشرع بدرء المفاسد أكثر من عنايته بتحصيل المصالح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا))، ويجب أن تعلم أن فعل السيئة يجر إلى فعل السيئة، وكذلك فعل الحسنة.

ترك الخلافيات في الفتوى إلا عند الإنكار

ترك الخلافيات في الفتوى إلا عند الإنكار

 ولا ينبغي للمفتي أن يحكي خلافاً في المسألة لئلا يُشَوِّشَ على المستفتي، فلا يدري بأي القولين يأخذ، ولا أن يذكر دليل ولا موضع النقل من الكتب، فإن في ذلك تضييعا للورق على صاحبه، إلا أن يعلم أن الفتيا سينكرها بعض الفقهاء، ويقع فيها التنازع...

اعتبار المفتي مقاصدَ الناس ومقتضى مخاطبتهم

اعتبار المفتي مقاصدَ الناس ومقتضى مخاطبتهم

  ينبغي للمفتي أن ينظر إلى مقاصد النّاس ومُقتضَى مخاطبتهم فيبني عليها الحكم، ويرتّب عليها الجواب، وكلّ مَن ينظر إلى الرِّوايات فيفتي بها فيما تختلف فيه الأحكام باختلاف المقاصد والعوائد فقد أخطأ.

كيفية التعامل مع المستفتي الفضولي والمستفتي صاحب الشبهة

كيفية التعامل مع المستفتي الفضولي والمستفتي صاحب الشبهة

قال الإمام القرافي -رحمه الله- في كتابه الماتع "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام" عن الكيفية التي يجيب أن يتعامل بها المفتي مع المستفتي الفضولي والمستفتي صاحب الشبهة:...

مفهوم المجتهد المطلق في مذهب الإمام مالك

إن الاجتهاد المذهبي بل الاجتهاد من حيث هو درجةٌ مرتبته واسعة تتفاوت بقوة التمكن وضعفه، فالاتصاف بأدنى درجاته يدعيها مدعيها، ومع الاتساع في الحفظ والوقوف على الأدلة والأحاديث ربما يخيل لصاحبه وصول درجة الاجتهاد المطلق، مع كون من فوقه في دقة النظر وقوة التفقه ومعرفة قواعد المذهب ومداركه لا يدعيها؛ لعدم اتساعه في الحفظ ومعرفة الأحاديث فتأمله.