نصوص في الحديث وعلومه

رواية الحديث بالمعنى
رواية الحديث بالمعنى

قال القاضي عياض في كتابه الإلماع:

لا خلاف أنّ على الجاهل والمبتدىء، ومَن لم يمهر في العلم، ولا تَقدَّم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل وفَهْم المعاني أن لا يكتب ولا يروي ولا يحكي حديثا إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع؛ إذ جميع ما يفعله من ذلك تَحكُّمٌ بالجهالة، وتَصرّفٌ على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتَقوُّلٌ على الله ورسوله ما لم يحط به علما.

وقديما هاب الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتبديل اللفظ المسموع منه، وقد حَضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وأمر بإيراد ما سمع منه كما سمع؛ فكما في حديث البراء بن عازب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثمَ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَ رَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ؛ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ واجْعَلْهُ آخِرَ مَا تَقُولُ. فَقُلْتُ : أَسْتَذْكِرُهُنَّ: وَِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قَالَ : لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ».

وكان عبد الله بن مسعود يمكث السنة لا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته الرعدة ويقول: أو هكذا أو نحوه أو شبهه.

وقال صلوات الله وسلامه عليه: « نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاها كَما سَمِعها، فَرُبَّ مُبَلِّغ أَوْعى مِن سامِع، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ ليس بفَقِيه».

ثم اختلف السلف وأرباب الحديث والفقه والأصول: هل يسوغ ذلك لأهل العلم فيحدثون على المعنى أولا يباح لهم ذلك؟

فأجازه جمهورهم إن كان ذلك من مشتغل بالعلم، ناقدٍ لوجوه تصرُّف الألفاظ والعلم بمعانيها ومقاصدها، جامعٍ لمواد المعرفة بذلك، وروي عن مالك نحوه.

ومنعه آخرون وشددوا فيه من المحدثين والفقهاء، ولم يجيزوا ذلك لأحد، ولا سوَّغوا إلا الإتيان به على اللفظ نفسه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وروي نحوه عن مالك أيضا، وشدّد مالك الكراهية فيه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أنه قال: أما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فأحبُّ إليَّ أن يؤتى به على ألفاظه، ورخّص فيه في حديث غيره، وفي التقديم والتأخير وفي الزيادة والنقص.

قال عياض: وحمل أئمتنا هذا من مالك على الاستحباب كما قال، ولا يخالفه أحد في هذا. وأنّ الأوْلى والمستحَب المجيء بنفس اللفظ ما استُطيع.

وما قاله الإمام رحمه الله الصواب، فإنَّ نظرَ الناس مختلف، وأفهامهم متباينة، ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» فإذا أدّى اللفظ أَمِنَ الغلط، واجتهد كل من بُلِّغ إليه فيه، وبقي على حاله لمن يأتي بعد، وهو أنزه للراوي وأخلص للمحدِّث.

ولا يُحتج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة؛ فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ وأسباب تلك الأحاديث، وفهموا معانيها حقيقة فعبروا عنها بما اتفق لهم من العبارات؛ إذ كانت محافظتُهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها.

وأما مَن بعدهم فالمحافظة أولا على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى، وتسومح في العبارت والتحدث على المعنى انحلّ النظم واتسع الخرق.

وجواز ذلك للعالِم المتبحر معناه عندي على طريق الاستشهاد والمذاكرة والحجة وتحريه في ذلك متى أمكنه أولى كما قال مالك، وفي الأداء والرواية آكد.

 

الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع للقاضي عياض(ص:153-157 بتصرف)، حققه: السيد أحمد صقر، دار التراث، الطبعة الثالثة(1425هـ - 2004م).

انتقاء: ذة. غزلان بن التوزر



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

  هذا الكلام يُتَمثَّلُ به، وليس من الأمثال، وفي الخبر: مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحيِ فاصنع ما شئت، وفُسِّرَ بمعنيين: أحدهما ظاهر، وهو المشهور: إذا لم تستحي من العيب ولم تخش عارا ولا لوْماً مما تفعل، فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا أم لا.

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

  اتفق أهل السنة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع؛ فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة.

الشروح المغربية على صحيح مسلم

الشروح المغربية على صحيح مسلم

 تفاوتت عناية المغاربة في الاهتمام بالمصنفات الحديثية، والمتصفح لكتب الفهارس والأثبات المغربية يجد سيلا من الكتب الحديثية الأولى التي كان الشيوخ يدرسونها، ويجيزون بها طلابهم، ومن هذه المصنفات ما يذكره ابن خير في فهرسه مثل: مسند حديث الأوزاعي، ومسند حديث ابن جريج، ومسند حديث الزهري وعلله...

«في وجوب طلب علم الحديث والسنن وإتقان ذلك وضبطه وحفظه ووعيه»

لاخفاء على ذى عقل سليم، ودين مستقيم بوجوب ذلك والحض عليه، لأن أصل الشريعة التي تعبدنا بها إنما هي متلقاة من جهة نبينا، صلوات الله عليه وسلامه، إما فيما بلغه من كلام ربه وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفل الله بحفظه فقال جل وعز:﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾[الحجر:9].

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

قال ذو النَّسَبَيْنِ أبو الخطاب ابن دِحية الكَلْبي (ت633هـ) في كتابه «أداء ما وجب من بيان وضع الوضَّاعين في رجب»، بياناً منه لهذه المسألة:

 «والكلام في الوضّاعين، نصيحة لله ربَّ العالمين، ولرسوله محمد سيّد المُرسلين، وليست بغِيبةٍ عند جماعة فُقهاء المسلمين.