المدونة وما وضع عليها

المدونة الكبرى
المدونة الكبرى

يعد كتاب المدونة الكبرى ثاني أمهات المصادر في الفقه المالكي بعد كتاب الموطأ، والمدونة ـ ويطلق عليها أيضا الأم والكتاب ـ أصل المالكيين المقدم على غيره من الدواوين، وأفيَدها بعد الأصل الأول، وكل ما جاء بعدها من مصنفات المذهب عيال عليها. وعليها كان الاعتماد في الأحكام والفتوى والقضاء، وهي في أصلها سماعات ابن القاسم (191هـ) من شيخه الإمام مالك (179هـ)، أجاب بها  عن أسئلة سحنون (240هـ) لما رحل إليه من القيروان لتصحيح رواية أسد بن الفرات(ت213هـ) التي رواها بدوره عن ابن القاسم، فقام هذا الأخير بالتصحيح ، ثم قام سحنون بتهذيبها، وتبويبها، وتدوينها وأضاف إليها اجتهادات كبار فقهاء المذهب، وذيّل أبوابها بالأحاديث والآثار إلا كتبا  بقيت على أصل اختلاطها، فلذلك تدعى أيضا المختلطة

ويذكر القاضي عياض عن بعضهم أن المدونة ضمت 36 ألف مسألة، وأضاف ابن فرحون إلى هذا العدد مائتا مسألة، قال: منها أربعة ممحوة. ومجموع هذه المسائل مُوَزّع على مختلف أبواب الفقه المعروفة: الطهارة والصلاة، والزكاة، والصيام،والحج، والجهاد، والصيد، والذبائح، والنذور، والنكاح وما يتعلق به ويستتبعه، والعتق والمكاتب والتدبير، والولاء والمواريث، والصرف، والسلم، والبيوع وما يدخل تحتها ويتعلق بها، والصلح، وتضمين الصناع، والجعل، والإجارة، والكراء، والرهن، والغصب، والاستحقاق، والشفعة، والقسمة، والوصايا، والهبات، والحبس، والصدقة، والوديعة، والعارية، واللقطة والضوال والآبق، وحريم الآبار، والحدود والعقوبات والجنايات المختلفة، والديات.

فكل ما تمَّ النص عليه يشكل كتابا أو أكثر من كتاب في المدونة، بسطت فيه مسائله في أبواب، وعلى هذا كان ترتيبها، وغالبا ما يبتدئ كل باب بلفظ «قلت» الذي  يدل على سؤال سحنون، ويكون بداية الجواب بلفظ «قال» الذي يدل على جواب ابن القاسم، ويتكرر هذا في المسألة الواحدة بحسب ما تقتضيه فروعها، وبُيِّنت روايات بقية الفقهاء وأقوالهم بذكر أسمائهم كما هو الشأن بالنسبة لابن وهب وأشهب.

ولما كانت المدونة بالمنزلة التي ذُكرت فإنها حظيت بما لم يحظ به - بعد الموطأ - أصل من أصول المذهب، بل إن غالب تلك الأصول قامت على أصل المدونة، ويكفي للدلالة على هذا قول القاضي عياض في مداركه: «وهي أصل المذهب المرجح روايتها على غيرها، عند المغاربة، وإياها اختصر مختصروهم وشرح شارحوهم ، وبها مناظرتهم ومذاكرتهم». فالنقل عنها متواتر ومنتشر، والشرح لها وتهذيبها والتعليق والتقييد عليها والتنبيه على مسائلها موجود متوافر. وبلغت عناية العلماء بالمدونة إلى درجة حفظها، فقد حفظها أبو حفص عمر البجائي المغربي المالكي،  والإمام هارون بن عتاب الشذوني الغافقي الأندلسي، حفظها حفظا بارعا، وحفظها أحمد المرجولي عن ظهر قلب، مع استحضاره شروحها.

من طبعات الكتاب طبعة دار الفكر ومعها مقدمات ابن رشد ، وطبعة دار صادر، وهي ما تزال بحاجة إلى تحقيق.

الكتاب المدونة الكبرى
المؤلف  سحنون بن سعيد بن حبيب أبو محمد التنوخي (240هـ).
مصادر ترجمته   المدارك 4/45-88، طبقات الفقهاء ص147، الديباج 2/29-37.
دار النشر  دار صادر- بيروت.
ثناء العلماء على الكتاب  قال سحنون: إنما المدونة من العلم بمنزلة أم القرآن.
وقال ابن أبي زيد القيرواني: من حفظ المدونة والمستخرجة لم تبق عليه مسألة.

إنجاز: د.مصطفى عكلي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تعليقة الوَانُّوغِي على تهذيب المدونة

تعليقة الوَانُّوغِي على تهذيب المدونة

  يندرج كتاب التعليقة على المدونة للفقيه القاضي المحقق أبي مهدي عيسى بن صالح ‏الوَانُّوغِي التونسي ضمن الحواشي التي وضعت على كتاب «تهذيب المدونة» لخلف بن أبي ‏القاسم البراذعي، وهو من أحسنها وأكثرها فائدة، اهتم فيه مؤلفه بشرح معاني الألفاظ ‏والعبارات الغامضة الواقعة في كتاب التهذيب، وتتجلى قيمة الكتاب في كون مؤلفه من ‏العلماء الكبار المرجوع إليهم في زمانه.

النكت والفروق لمسائل المدونة والمختلطة

النكت والفروق لمسائل المدونة والمختلطة

يُعدّ كتاب النكت والفروق من أوائل المصنفات التي اعتنت بكتاب المدونة لسحنون، ويأتي تأليفه في سياق عام
دأب فيه أهل العلم على العناية بأصول المذهب المالكي لا سيما الموطأ والمدونة، وتكمن أهميته في مكانة مؤلفه الإمام الفقيه الحافظ النظار العالم المتفنن أبو محمد عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي..

اختصار المدونة والمختلطة لابن أبي زيد القيرواني

اختصار المدونة والمختلطة لابن أبي زيد القيرواني

 يأتي كتاب «اختصار المدونة والمختلطة»، أو «مختصر المدونة»، لمالك زمانه الإمام العلامة الفقيه أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني(ت386هـ)، في طليعة الأعمال العلمية الموضوعة على كتاب المدونة والمختلطة للإمام سحنون رحمه الله تعالى، بعد كتاب «تهذيب المدونة» لتلميذه ومعاصره أبي سعيد خلف بن أبي القاسم البراذعي(من علماء ق4هـ).

المقدمات الممهدات لأبي الوليد ابن رشد تـ520هـ

المقدمات الممهدات لأبي الوليد ابن رشد تـ520هـ

يُعَدُّ كتاب :«المقدمات الـمُمَهِّمدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات»، لأبي الوليد محمد بن أحمد ابن رشد القرطبي (ت520هـ)، من أهم الشروح الفقهية التي اعتنت  على وجه الخصوص بشرح  ما انغلق أو أُشْكِل من فواتح كتب المدونة.

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

كثرت الأعمال العلمية حول كتاب المدونة للإمام مالك بن أنس وتنوعت؛ ما بين تقييد، وتعليق، واختصار، وتحشية، وتهذيب، وشرح، ولعل أي كتاب من كتب المذهب لم يحظ بمثل ما حظيت به المدونة، ولا غرو في ذلك؛ إذ هي أصل علم المالكيين، بل ويروى أنه ليس بعد الموطأ ديوان في الفقه أكثر فائدة من المدونة.