أعلام القرن التاسع الهجري

(أحمد زروق الفاسي (ت899هـ
(أحمد زروق الفاسي (ت899هـ

العالم الفقيه المحدث الصوفي المتضلع؛ أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق، ولفظ زروق جاءه من جهة جده الذي كان أزرق العينين، وهو من قبيلة البرانس البربرية التي تعيش في منطقة جبل البرانس ما بين فاس و تازة، ولد رحمه الله ورضي عنه في قرية «تليوان» من تلك المنطقة في ثامن وعشرين المحرم عام 846هـ، وبعد ولادته بيومين توفيت والدته، وبعدها بيومين توفي والده، وتولى تربيته جدته التي كانت تدعى أم البنين.

نشأ مترجمنا في حضن جدته الفقيهة الصالحة، والتي حرصت على أن يشب حفيدها على خير وجه،  فأحسنت تربيته وأدخلته الكتاب فكان رضي الله عنه تلميذا مواظباً هادئاً في الكتاب، فأتم حفظ القران الكريم وهو ابن عشر، كما تعلم الخرازة في تلك السن، ولما بلغ السادس عشرة من عمره ترك الاشتغال بحرفة الخرازة التي كان يكتسب منها قوته بعد وفاة جدته، واشتغل بالعلم بإرشاد بعض الأكابر، وقرأ العلوم على عدد من علماء عصره، فقد قرأ بحرف نافع على الإمام القوري، والزرهوني، والمجاصي وغيرهم، وقرأ على الشيخ عبد الله الفخار، والشيخ علي السبط، وعبد الرحمن الثعالبي، وإبراهيم التازي، والسنوسي صاحب العقيدة وآخرين، وقرأ البخاري على القوري وتفقه عليه حتى صار منارة في العلم، فقصده العلماء من أكابر أهل عصره كالقسطلاني والقطب الشعراني والعارف بالله ابن الحسن البكري.

وفي عام 873هـ عزم الشيخ زروق على أداء فريضة الحج، فرحل إلى القاهرة ومكث فيها فترة قصيرة، ثم غادرها إلى مكة والمدينة، وبعد أداء مناسك الحج جاور في المدينة مدة عام، ثم عاد من الحج إلى القاهرة واستقر فيها عام 876 هـ حيث اتصل فيها بشيوخ التصوف وطرقه، وحضر الدروس في الأزهر، وكان من أهم من اتصل بهم من العلماء والمشايخ: محمد السخاوي، وأحمد بن حجر العسقلاني، وأبو إسحاق التنوخي، ونور الدين السنهوري، وآخرين، وقرأ خلال تلك السنة من أمهات الكتب في الفقه والحديث والتصوف، وبذلك اجتمع له في المغرب والمشرق شيوخ من الفقهاء والمتصوفة، وهو أمر أثر في مستقبل حياته وأفكاره، حيث رأى أن الفقه والتصوف موضوعان مترابطان، حتى أطلق عليه لقب «الجامع بين الشريعة والحقيقة».

وفي عام 877هـ قفل راجعا من رحلته إلى بلده فاس، وظل يتبادل الرسائل مع شيخه أحمد بن عقبة الحضرمي في طريق عودته إلى طرابلس الغرب، فتونس، وبجاية (الجزائر) إلى أن وصل إلى فاس عام 879 هـ، وعاش رضي الله عنه في فاس أربع سنوات كان خلالها دائم الهجوم على الفقهاء الجاهلين، والقراء المداهنين، والصوفية المنافقين في كثير من مؤلفاته ورسائله، وقرر أن يهجر موطنه الأول الذي تنكر له إلى مستقر جديد، فقصد بجاية عام 884 هـ حيث كان له رفاق وأتباع، ثم غادرها في أواخر سنة 884 هـ إلى القاهرة للاجتماع بشيخه الحضرمي، وقضى فيها بقية العام و العام الذي يليه، وجدد علاقته مع العلماء، و صار شيخاً علماً له مكانته، ويتحلق من حوله طلبة العلم والأتباع.

وفي السنة التالية(886هـ) قرر الشيخ السفر إلى مصراتة بليبيا، فتوجه أولا إلى طرابلس الغرب فأحيا بها معالم الطريق وعرف مشاهير رجالها، إلى أن استقر به المقام بمصراتة التي طاب له فيها المقام حيث قضى فيها بقية أيام حياته.

وكانت نتيجة تحصله وكثرة رحلاته العلمية وشهرته الصوفية أن أصبح صدراً من صدور العلم في زمانه، حيث تجمع الطلبة والمريدون من حوله، وصارت له الصدارة في مجالسهم، وغدا ينشر علمه بين الناس في المسجد الذي كان يؤدي فيه صلاته، وأخذ عنه جماعة منهم الشمس اللقاني والشيخ محمد بن عبد الله الحطاب و الشيخ زين الدين طاهر القسنطيني وآخرون.

كما أن  لتكوينه العلمي الرصين أثر في غَزَارة وتنوع التآليف المفيدة التي أغنى بها رحمه الله التراث الإسلامي، ويطغى على منهجه فيها الاختصار مع التحقيق والإفادة، فمن هذه الآثار: تفسير القرآن العظيم، شرح رسالة أبي زيد القيرواني، ثلاثة شروح على متن القرطبية، ستة وثلاثون شرحاً على الحكم العطائية، شرح على أسماء الله الحسنى، شرح على دلائل الخيرات، كتاب النصائح، قواعد الصوفية، العقائد الخمس، وله تآليف عديدة ورسائل نفيسة.

وقد أكسبته المكانة المتميزة التي حظي بها بين أقرانه وعلماء عصره تقدير وثناء معاصريه ومن أتى بعده من العلماء، قال عنه الحضيكي في طبقاته:«...وبالجملة فقدره فوق ما ذكر، فهو آخر أئمة الصوفية المحققين الجامعين للحقيقة والشريعة...»

وكانت وفاة الشيخ زروق رضي الله عنه ونفع به عام ثمانمائة وتسعة وتسعين للهجرة عن عمرٍ يناهز الثالثة والستين ودفن بمصراطة في طرابلس الغرب، وله مسجد كبير تقام فيه الشعائر، ومقام وضريح يزار .

من مصادر ترجمته وأخباره:

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (1/222)، جذوة الاقتباس (ص:128)، درة الحجال (ص: 32)، شذرات الذهب 9: 547-548) وفيه اسمه (إسماعيل بن محمد البرلسي) وهوخطأ،  البستان لابن مريم (ص:45)، كفاية المحتاج (1/56)، طبقات الحضيكي (1/27-36)، شجرة النور الزكية (ص: 267)، الأعلام للزركلي (1/ 87).

إعداد: ذ.محمد فوزار.



اقرأ أيضا

عبد الرحمن بن علي الرُّقعي الفاسي تـ859هـ

عبد الرحمن بن علي الرُّقعي الفاسي تـ859هـ

 هو العلامة: أبو زيد عبد الرحمن بن علي، الرقعي داراً، السنوسي نسباً، الفاسي موطناً ومدفناً، ولد برُقْعة، قرية وبلدة من بلاد لمطة، تابعة لمدينة فاس العتيقة، وقد نزل بها سلفه.

محمد بن عبد العزيز التازغدري الفاسي المالكي

محمد بن عبد العزيز التازغدري الفاسي المالكي

هو الإمام الشيخ: محمد بن عبد العزيز أبو عبد الله وأبو القاسم  التَّازْغَدْري  ـ كما في سلوة الأنفاس ـ ولم يذكر الكنيتين معا غيره، وجاء في درة الحجال: التازغدي، وهو خطأ مطبعي ـ الفاسي المالكي...

أبو علي الشوشاوي تـ899هـ

أبو علي الشوشاوي تـ899هـ

هو الشيخ الإمام الزاهد الأصولي الفقيه المقرئ النظار المتفنِّن أبو علي حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الوصيلي الشَوْشَاوِي، نسبة إلى شيشاوة وتقرأ أيضا شوشاوة، ولد في أوائل القرن التاسع الهجري، من بيت رجراجي الذي يعتبر من أغنى البيوتات رجالاً.

سعيد بن سليمان الكرَّامي: تـ882هـ

سعيد بن سليمان الكرَّامي: تـ882هـ

هو الفقيه العالم، المتفنّن، صاحب التآليف العديدة، والتصانيف الشهيرة، أبو عثمان سعيد بن سليمان الكرامي السملالي، نسبة إلى أسرة الكرَّاميين بسوس، وهم الشرفاء أو الصلحاء، رأس أسرة علمية عاشت في القرن الهجري التاسع وصدر القرن العاشر ينتسبون إلى ابن العربي المعافري، ومساكن الكراميين بتازموت من سملالة بالأطلس الصغير، وما تزال قبور مشاهيرهم هنالك معروفة.

الحافظ أبو عبد الله القَوْري (تـ872هـ)

الإمام العالم، المفتي، الحُجّة، آخر حفاظ المدونة بفاس، محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد اللَّخمي نسباً، المكناسي داراً ومسكناً ومولداً، الأندلسي سلفاً، القَوْري شهرةً ولقباً، الفاسي وفاةً، واشتهر بالقَوْري، وهي بفتح القاف وسكون الواو ثم راء، نسبة لبلدة قريبة من إشبيلية.