نصوص في العقائد

الفرق بين النبوة والرسالة
الفرق بين النبوة والرسالة

يقول القاضي عياض، رحمه الله، في الفصل الثاني من الباب الرابع من القسم الأول من كتابه الشفا، بياناً منه للفرق بين النبوة والرسالة:

اعلم أن الله جلّ اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده، والعلم بذاته وأسمائه وصفاته، وجميع تكليفاته ابتداء دون واسطة، لو شاء كما حكي عن سنته في بعض الأنبياء، وذكره بعض أهل التفسير في قوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا﴾، وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه، وتكون تلك الواسطة إما من غير البشر. كالملائكة مع الأنبياء، أو من جنسهم كالأنبياء مع الأمم، ولا مانع لهذا من دليل العقل.

وإذا جاز هذا ولم يستحل، وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاتهم وجب تصديقهم في جميع ما أتوا به؛ لأن المعجزة مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام قول الله:﴿صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه﴾ وشاهد على صدقه فيما يقوله، وهذا كاف، والتطويل فيه خارج عن الغرض، فمن أراد تتبعه وجده مستوفى في مصنفات أئمتنا، رحمهم الله.

فالنبوة: في لغة من همز مأخوذة من النبأ، وهو الخبر وقد لا يهمز على هذا التأويل تسهيلا، والمعنى: أن الله تعالى أطلعه على غيبه، وأعلمه أنه نبيه فيكون نبي (منبأ) فعيل بمعنى (مفعول) أو يكون مخبرا عما بعثه الله تعالى به، ومنبئاً بما أطلعه الله عليه، فعيل بمعنى فاعل، ويكون عند من لم يهمزه من النبوة، وهو ما ارتفع من الأرض، ومعناه أن له رتبة شريفة ومكانة نبيهة عند مولاه منيفة، فالوصفان في حقه مؤتلفان.

وأما الرسول فهو المرسل، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادرا، وإرساله أمر الله له بالإبلاغ إلى من أرسله إليه واشتقاقه من التتابع، ومنه قولهم: «جاء الناس أرسالا»، إذا تبع بعضهم بعضا، فكأنه ألزم تكرير التبليغ، أو ألزمت الأمة اتباعه.

واختلف العلماء: هل النبي والرسول بمعنى أو بمعنيين؛

فقيل: هما سواء وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلوا بقوله تعالى:﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾، فقد أثبت لهما معا الإرسال، قال: ولا يكون النبي إلا رسولا ولا الرسول إلا نبيا

 وقيل: هما مفترقان من وجه؛ إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول، وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئا واحدا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ. قالوا والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلى أمة، أو نبي وليس بمرسل إلى أحد.

وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول قد جاء بشرع مبتدأ، ومن لم يأت به نبي غير رسول، وإن أمر بالإبلاغ والإنذار.

والصحيح والذي عليه الجماء الغفير: أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، وأول الرسل: آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث أبي ذر، رضي الله عنه: «إن الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي»، وذكر أن الرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، أولهم آدم عليه السلام، فقد بان لك معنى النبوة والرسالة وليستا عند المحققين ذاتا للنبي، ولا وصف ذات، خلافا للكرامية، في تطويل لهم وتهويل، ليس عليه تعويل.

الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي (ت544هـ)، :(1/345-348)، دار الكتاب العربي ـ بيروت، تحقيق: علي محمد البجاوي، 1977م.

 

إنجاز: د. طارق طاطمي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المؤمن لا يكون ذليلا

المؤمن لا يكون ذليلا

  قال ابن بطّال رحمه الله في شرحه على الجامع الصحيح للبخاري (120:10)، عند شرحه تعوذه صلى الله عليه وسلم من الجبن: "الجُبْن مَهانَة فى النَّفْس وذِلَّة، ولا يَنبغي للمُؤْمن أن يكون ذَليلاً بالإيمان ولزُوم طاعَة الله، التِي تُؤدِّي إلى النَّعِيم المقِيم...

من جحد أو شك أو أثبت أو نفى شيئاً من القرآن

من جحد أو شك أو أثبت أو نفى شيئاً من القرآن

  قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:"اعلم أن من استخفّ بالقُرآن، أو بالمصْحف، ‏أو بشيء منه، أو سبَّهما، أو جحَد حرفاً منه أو آية، أو كذَّب به، أو بشيء مما صرح ‏به فيه من حكْم أو خبَر، أو أثْبتَ ما نفاه، أو نفى ما أثْبته وهو عالم بذلك، أو شكَّ ‏في شيء من ذلك.

مَن لا يعرف معنى الشهادتين وصرف الزكاة للعلماء

مَن لا يعرف معنى الشهادتين وصرف الزكاة للعلماء

‏  (الحمد لله) أما ما ذكره المجيب بمِحْوَلِه، من كون التوحيد لابد منه (في نفسه) وأن من لا ‏يعرف معنى الشهادتين لا نصيب له في الإسلام كما أجاب به أهل بجاية فصحيح. ولكن ‏معناه أن مضمون الشهادتين، من الشهادة (والاعتراف والإقرار) لله تعالى بالوحدانية (في ‏ذاته وصفاته وأفعاله) ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لابد منه في نفسه‏.

يا طبيب الذنوب

يا طبيب الذنوب

  سُئل الإمام الفقيه المحدث أبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر التميمي المعروف بابن وَرْد (ت 540هـ)، عن قول الداعي في دعائه: يا طبيب الذنوب، أي مبرئها وماحيها؟ فأجاب: يجوز أن يقال ذلك على أحد القولين اللذين للمتكلمين من أهل السنة في هل يسمى الله تعالى باسم فيه مدح وإن لم يرد به سمع؟

«أحكام التوبة»

التوبة فرض على كل من قارف محظورا كبيرا كان أو صغيرا عندما يذنب، وتأخيرها عن وقتها ذنب آخر.
وقد تقدم الكلام في حقيقتها في اللسان بأنها الرجوع.
وهي في الشرع: «الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته».