أعلام القرن الحادي عشر الهجري

أبو عبد الله الهوزالي تـ1012هـ
أبو عبد الله الهوزالي تـ1012هـ

خرجت منطقة السوس الأقصى على مر الحقب علماء أجلاء، ونوابغ أفذاذا في جل ميادين المعرفة، فقها وحديثا وتفسيرا ولغة وأدبا بارعا رقراق اللفظ، متراقص المعاني، على عُجمة ألسنتهم، لكن حبهم للغة القرآن كسر كل ذلك، مما جعلهم ينافسون ويطاولون غيرهم من ذوي الأصول العربية.

ومن هؤلاء النوابغ العلامة القاضي الأديب الناظم الناثر الثائر: أبو عبد الله سيدي محمد بن علي الهوزالي. ـ انظر هذه النسبة عند علامة سوس الحاج المختار السوسي رحمه الله في: سوس العالمة ص: 147، عند الأسرة الهوزالية تحت رقم:127ـ.

لم تذكر مصادر ترجمته مكان ولادته ولا سنتها، إلا أن الظاهر أنه ولد في منطقة السوس حسب انتسابه، وهو غير محمد بن علي الذي توفي بعد مترجمنا سنة: 1162هـ المترجم في طبقات الحضيكي تحت رقم:462، ج:2، ص:363، فلعلهما أن يكونا من القبيلة نفسها، لذا كان انتسابهم لإنْدُوزال متفقا، وهذا الأخير أيضا برع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبدع، وله ترجمة المختصر الخليلي إلى الأمازيغية.

وأما مترجمنا فقد قيل  في ترجمته:إنه الفقيه المتفنن، ذو الفهم القويم، والإدراك المستقيم، قائد العويصات بنواصيها، ومستنزل عصم القوافي من صياصيها، شعلة الذكاء الذي يزري سناه بنور ذُكاء ـ الشمس ـ.

فقد انقادت له القوافي سلِسة، والمعاني سارت إليه تتهادي في مرونة، ينزلها من أبراجها ساعية ملبية خاضعة.

 ناهيك عن التحلية بالفقه والتفنن فيه، والفهم الدقيق، وهو نتاج احتكاك كبير وطويل بألفاظ اللغة ومدلولاتها ومعانيها المختلفة، وأساليبها المتنوعة حسب مقتضى الحال.

ويزيدك اطمئنانا إلى عبقريته في هذا الباب أنه ذيل أبيات الحميدي الرائية في كاتب الخليفة أحمد المنصور الذهبي، ومطلعها:

                أيا كاتب السر يا من بدت                  محاسنه في الورى باهــــرة

                هديت إلى الشفـا وصـلة                 فأكرم بها منحة طاهــــرة

                وكبشـا سمينـا له كـلوة                تفوق الكلا نعمة زاهـــرة

               فلا زلت تثبت كتب الإمام                   سيوفـا لأعـداء قاهـــــرة

فقال المترجم:

             أيا تحفة الدهـــر يا ناظـره             وطرفــة أيامـه الزاهــرة

             وبدر العلوم التي قد نضت                    دجى الجهل أنواره الباهرة               إلخ.

إضافة إلى شرحه لديوان المتنبي كما يذكر مترجموه، وهذا كاف في الدلالة على تمكن الرجل من ناصية القريض، يجول في جنباته ويصول، وقد كان حقا من أُمَرائه.

وما أحسن ما عرفه به العلامة كنون رحمه الله إذ يقول: وكان قوي المراس على المعاني الشعرية، فخم الألفاظ نابه المعاني، جيد النظم رائع الأسلوب، متضلعا من اللغة والأدب، بصيرا بمواقع الكلم، متصرفا في ضروب المدح أحسن التصرف.

وهي كلمة دالة بعمق على إحساس الأستاذ عبد الله كنون رحمه الله بعبقرية هذا النابغة، بل إن وصفهم له بالنابغة دال على ذلك وأكثر.

ولهذا الذي رأيتَ قرَّبه الخليفة المنصور إليه، وأدناه من مجلسه، إذ كان يستعذب لفظه، ويترنم على وقع كلمات شعره، فكان شديد الإعجاب به، وقام عنده لذلك في الاحتفالات الرسمية والمواسم والأعياد الدينية والوطنية، بما يناسب الاحتفال، فكان يخلع عليه لذلك الأجر الوفير، وقد قيل إن له مولديات كان ينشدها في المولد النبوي الشريف.

وقد مرض الخليفة المنصور وطال به المرض حتى خيف عليه، فلم يلبث أن شُفي منه فقال النابغة الهوزالي في ذلك شعرا، أسوق منه مطلعه:

تردى أذى من سقمك البر والبحر                  وضجت لشكوى جسمك الشمس والبدر

وبات الندى خوفا عليك مسهـدا                   وأصبح مذعور الفـؤاد النــدى الغمر

فلما أعاد الله صحتك التــــي                  أفـاق بهــا من غمــه البــدو والحضر

تراءت لنـا الدنيــا بزينــة حسنهـا           وعاد إلى أبانـــه ذلـــك البشــــر

وتستمر القصيدة على هذا المنوال الرائع من التشبيهات الرائعة والبليغة، فالبر والبحر يسقم لسقم الأمير، وتضج الشمش والبدر لشكواه، ويبيت الندى سهران الدجى خوفا عليه.

ويزيدك اطمئنانا لهذا أنه كان ضمن النخبة المصطفاة لمرافقة الخليفة في زيارته لمدينة أغمات المتاخمة لمراكش الحمراء، مهد العلم والمعرفة، التي ضاعت وضاع بها تاريخ عريق.

أخذ عن أبي العباس المنجور فهرسته، وشاركه العلامة ابن القاضي في ذلك الأخذ.

ولم تتحفنا المصادر بمن تخرج على يديه، إلا أنه يبعد أن لا يكون له تلاميذ، لكن نستطيع الجزم بقلتهم، وذلك معروف معلوم فيمن يزاول ويمتهن الشعر أكثر من الفقه وغيره من علوم الشريعة، إلا ما قل.

وقد ولي قضاء مدينة المحمدية ـ تارودانت ـ، وقبيلة سكتانة  التابعة لدائرة تَالِوِينْ، بإقليم تارودانت أيضا، وفي هذه التولية من الاعتراف بالرسوخ في العلم ما فيه.

وهكذا استمر عطاء الهوزالي إلى أن وافته المنية بمدينة مراكش الحمراء سنة: 1012هــ، للهجرة، الموافق: 1603للميلاد، فرحمه الله تعالى وجميع علماء أمتنا.

 مصادر ترجمته:

الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: 5/182، ترجمة رقم:654.

درة الحجال في أسماء الرجال: 2/233، ترجمة رقم: 688.

 نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، ص:75.

رجالات العلم في سوس، ص:48.

سوس العالمة، ص:180.

النبوغ المغربي في الأدب العربي، ص:263.

إعداد: ذ. سعيد بلعزي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

عبد الواحد ابن عاشر الفاسي

هو الإمام، العالم العلامة، الورع الناسك، أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر الأنصاري نسباً، الأندلسي أصلاً، الفاسي منشأ وداراً، المعروف بابن عاشر الفاسي، وهو من حفدة الشيخ الشهير أبي العباس ابن عاشر السلاوي (ت765هـ).

عبد الرحمن بن عَمرو البَعْقِيلي(ت1006هـ)

هو الشيخ الإمام الفقيه العالم الفلكي المؤقت الحيسوبي اللغوي النحوي التاريخي أبو زيد عبد الرحمن بن عمرو بن أحمد بن زكرياء الرضيّ السوسي البعقيلي الجزولي الجَرادي.
ولد بقرية آيت الطالب في منطقة بعقيلة (إداوْبَعقيل)، الواقعة بالأطلس الصغير(جبل جزولة) ببلاد السوس في المغرب الأقصى، وهو من بيت آل عمرو المجيد..

محمد بن أحمد بن يوسف الفاسي تـ1084هـ

محمد بن أحمد بن يوسف الفاسي تـ1084هـ

 هو الشيخ الفقيه العلامة القاضي الإمام الجليل الأصيل الحافظ، أبو عبد الله محمد بن الإمام الحافظ أبي العباس أحمد بن أبي المحاسن يوسف الفاسي، ذكر صاحب شجرة النور أنه ولد سنة 1009هـ، وعند القادري في نشر المثاني أنه ولد بفاس سنة 1008هـ.

أبو زكرياء الحاحي تـ1035هـ

أبو زكرياء الحاحي تـ1035هـ

 هو يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم، أبو زكرياء الداودي المناني الحاحي، الفقيه الصوفي، ينتسب إلى الأسرة النَّعِيمِيَّة، إحدى أكبر وأشهر الأسرالعلمية بحاحا في جنوب غرب المغرب، وكان جده سعيد بن عبد المنعم (ت 953هـ) أشهر أعلام هذه الأسرة علما وعملا.

عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي تـ1091هـ

عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي تـ1091هـ

 هو العلامة الـمُشارك الـمُحصِّل للمفهوم والمنقول أبو محمد عبد القادر بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف بن عبد الرحمن القَصْرِي أصلاً، الفاسي ولداً وداراً وشهرةً، ولد بمدينة القصر الكبير عند زوال يوم الاثنين ثاني رمضان سنة تـ1007هـ، وتكفّل والده بتعليمه منذ صغره.