كتب الانتصار للمذهب

الذب عن مذهب مالك لابن أبي زيد القيرواني
الذب عن مذهب مالك لابن أبي زيد القيرواني

((كتاب الذّبّ عن مذهب مالك في غير شيءٍ من أصوله، وبعض مسائل فروعه، وكشف ما لبّس به بعض أهل الخلاف، وجهله من محاجِّ الأسلاف))، لأبي محمد ابن أبي زيد القيرواني(386هـ) ، ردّ أصولي وفقهي على أحد ظاهرية الغرب الإسلامي، لا يعرف اسمه على التعيين، تجرأ على الطعن في إمام دار الهجرة مالك بن أنس، رضي الله عنه، في مؤلَّفٍ وضعه لهذا الغرض، سماه: »التنبيه والبيان في مسائل اختلف فيها مالك والشافعي«.

وأهمية كتاب الذَّبّ وقيمته لا تخفى من خلال مكانة واضعه ومصنفه ابن أبي زيد القيروان، ويكفي في بيان منزلته قول القاضي عياض رحمه الله: »كان أبو محمد رحمه الله، إمام المالكية في وقته، وقدوتهم، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله، وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك، فصيح القلم، ذا بيان ومعرفة بما يقوله، ذابّاً عن مذهب مالك، قائماً بالحجة عليه، بصيراً بالرَّدِّ على أهل الأهواء (...) وحاز رئاسة الدين والدنيا، وإليه كانت الرحلة من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وضمّ كسره، وذبّ عنه، وملأت البلاد تواليفه... «.
هذا، وتوزعت المسائل التي اعترض فيها الظاهري النّكرة على الإمام مالك على سبعة وثلاثين بابا من أبواب الفقه، لا يتسع المقام لعرضها هنا، لكن أوجه اعتراضه فيها، وكما بيَّنها محقق الكتاب الدكتور محمد العلمي، ترجع إلى: مخالفة مالك لنصوص السنة والقرآن، ومخالفته للإجماع، وقوله برأي لم يقله أحد من السلف، وتفريقه بين المتشابهات، والجمع بين المتفرقات. (الذب عن مذهب مالك 1/160). 
وقد تتبع ابن أبي زيد تلك المسائل؛ مسألة مسألة، وردّ عليه بتفصيل شافٍ وافٍ، فبعد أن يثبت دعوى المعترض في المسألة، ويعرض الحجج التي استند إليها الظاهري، وخلاصة ما يريد الوصول إليه، بعد هذا، يأخذ في الرّدّ عليه فيها، بمناقشة اعتراضاته، بالأدلة الثابتة؛ من قرآن كريم، وسنة نبوية صحيحة، وببسط ما قاله السلف فيها وما عليه عمل الحكام في الأمصار المختلفة، وباقي الأصول التي بُني عليها مذهب مالك. وقد حدد محقق الكتاب ـ حفظه الله ـ ردود ابن أبي زيد على المعترض في عدة جوانب، هي: الجانب الشكلي والجانب الفقهي، والجانب الأصولي، والجانب الخلقي والعقدي. وهذا مناسب لما يتمتع به مالك الصغير من مكانة علمية قوية؛ فقهية وأصولية وحديثية، ولغوية، وملكة عقلية راجحة، وأسلوب حجاجي متّزن منضبط.
وقد كشف ابن أبي زيد في كتابه الذّبّ أن الظاهري المعترض، لم يلتزم أخلاق العلماء، بل لم تتحقق فيه صفة العلم، وأنه لم يلتزم مذهبه الذي تشبع به؛ فقد ناقضه في أحيانٍ كثيرة، وما انتصاره للشافعي في ردّه إلا علامة على ذلك، فالشافعي ممن يقول بالقياس وتأويل النصوص، وكم من مسائل ذكرها هذا الظاهري قولُ الشافعي فيها كقول مالك، رحمهما الله جميعا، كما غاب عنه الفهم الصحيح لكثير من النصوص، وأما إنكاره لفضل مالك بما نعته به من نعوت فإنه كالمحاول تغطيةَ الشمس؛ فعلم مالك منشور، وفضله مشهور، وإمامته معلومة، عند الخاصة والعامة، لا ينكر ذلك إلا جاحد متحامل.
وأما مصادر ابن أبي زيد في هذا الكتاب فمنها بالإضافة ما ذكر آنفا: كتاب السنن للإمام النسائي، وكتاب السنن لأبي داود، والواضحة لابن حبيب، وشرح الأبهري على مختصر ابن عبد الحكم، وكتب الإمام الشافعي، ومختصر المزني، وكتب أبي عبيد القاسم بن سلام، وأقوال أصحاب المذهب التي حصلها وجمعها.
ومن عناية العلماء بكتاب الذب عن مذهب مالك، أنهم اهتموا بالنقل منه في كتبهم، كما هو الشأن بالنسبة لعبد الحق الصِّقلِّي في كتابه ((النكت والفروق على مسائل المدونة))، والإمام المازَري في تعليقته على المدونة، وأبي المطرف القنازعي في ((تفسير)) الموطأ.
صدر كتاب الذّبّ عن مذهب مالك لأول مرة عن مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء، الطبعة الأولى(1432هـ-2011م)، بتحقيق الدكتور محمد العلمي.
إنجاز: مصطفى عكلي

 

((كتاب الذّبّ عن مذهب مالك في غير شيءٍ من أصوله، وبعض مسائل فروعه، وكشف ما لبّس به بعض أهل الخلاف، وجهله من محاجِّ الأسلاف))، لأبي محمد ابن أبي زيد القيرواني(386هـ) ، ردّ أصولي وفقهي على أحد ظاهرية الغرب الإسلامي، لا يعرف اسمه على التعيين، تجرأ على الطعن في إمام دار الهجرة مالك بن أنس، رضي الله عنه، في مؤلَّفٍ وضعه لهذا الغرض، سماه: »التنبيه والبيان في مسائل اختلف فيها مالك والشافعي«.

وأهمية كتاب الذَّبّ وقيمته لا تخفى من خلال مكانة واضعه ومصنفه ابن أبي زيد القيروان، ويكفي في بيان منزلته قول القاضي عياض رحمه الله: »كان أبو محمد رحمه الله، إمام المالكية في وقته، وقدوتهم، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله، وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك، فصيح القلم، ذا بيان ومعرفة بما يقوله، ذابّاً عن مذهب مالك، قائماً بالحجة عليه، بصيراً بالرَّدِّ على أهل الأهواء (...) وحاز رئاسة الدين والدنيا، وإليه كانت الرحلة من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وضمّ كسره، وذبّ عنه، وملأت البلاد تواليفه... «.

هذا، وتوزعت المسائل التي اعترض فيها الظاهري النّكرة على الإمام مالك على سبعة وثلاثين بابا من أبواب الفقه، لا يتسع المقام لعرضها هنا، لكن أوجه اعتراضه فيها، وكما بيَّنها محقق الكتاب الدكتور محمد العلمي، ترجع إلى: مخالفة مالك لنصوص السنة والقرآن، ومخالفته للإجماع، وقوله برأي لم يقله أحد من السلف، وتفريقه بين المتشابهات، والجمع بين المتفرقات. (الذب عن مذهب مالك 1/160). 

وقد تتبع ابن أبي زيد تلك المسائل؛ مسألة مسألة، وردّ عليه بتفصيل شافٍ وافٍ، فبعد أن يثبت دعوى المعترض في المسألة، ويعرض الحجج التي استند إليها الظاهري، وخلاصة ما يريد الوصول إليه، بعد هذا، يأخذ في الرّدّ عليه فيها، بمناقشة اعتراضاته، بالأدلة الثابتة؛ من قرآن كريم، وسنة نبوية صحيحة، وببسط ما قاله السلف فيها وما عليه عمل الحكام في الأمصار المختلفة، وباقي الأصول التي بُني عليها مذهب مالك. وقد حدد محقق الكتاب ـ حفظه الله ـ ردود ابن أبي زيد على المعترض في عدة جوانب، هي: الجانب الشكلي والجانب الفقهي، والجانب الأصولي، والجانب الخلقي والعقدي. وهذا مناسب لما يتمتع به مالك الصغير من مكانة علمية قوية؛ فقهية وأصولية وحديثية، ولغوية، وملكة عقلية راجحة، وأسلوب حجاجي متّزن منضبط.

وقد كشف ابن أبي زيد في كتابه الذّبّ أن الظاهري المعترض، لم يلتزم أخلاق العلماء، بل لم تتحقق فيه صفة العلم، وأنه لم يلتزم مذهبه الذي تشبع به؛ فقد ناقضه في أحيانٍ كثيرة، وما انتصاره للشافعي في ردّه إلا علامة على ذلك، فالشافعي ممن يقول بالقياس وتأويل النصوص، وكم من مسائل ذكرها هذا الظاهري قولُ الشافعي فيها كقول مالك، رحمهما الله جميعا، كما غاب عنه الفهم الصحيح لكثير من النصوص، وأما إنكاره لفضل مالك بما نعته به من نعوت فإنه كالمحاول تغطيةَ الشمس؛ فعلم مالك منشور، وفضله مشهور، وإمامته معلومة، عند الخاصة والعامة، لا ينكر ذلك إلا جاحد متحامل.

وأما مصادر ابن أبي زيد في هذا الكتاب فمنها بالإضافة ما ذكر آنفا: كتاب السنن للإمام النسائي، وكتاب السنن لأبي داود، والواضحة لابن حبيب، وشرح الأبهري على مختصر ابن عبد الحكم، وكتب الإمام الشافعي، ومختصر المزني، وكتب أبي عبيد القاسم بن سلام، وأقوال أصحاب المذهب التي حصلها وجمعها.

ومن عناية العلماء بكتاب الذب عن مذهب مالك، أنهم اهتموا بالنقل منه في كتبهم، كما هو الشأن بالنسبة لعبد الحق الصِّقلِّي في كتابه ((النكت والفروق على مسائل المدونة))، والإمام المازَري في تعليقته على المدونة، وأبي المطرف القنازعي في ((تفسير)) الموطأ.

صدر كتاب الذّبّ عن مذهب مالك لأول مرة عن مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء، الطبعة الأولى(1432هـ-2011م)، بتحقيق الدكتور محمد العلمي.

 

 

الكتاب: الذب عن مذهب مالك.

المؤلف: أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني(ت.386هـ)

مصادر ترجمته: تريتب المدارك(6/215)، معالم الإيمان(3/135)، الديباج المذهب(1/376).

الناشر: مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث التابع للرابطة المحمدية للعلماء.

قال القاضي عياض:  كان أبو محمد، رحمه الله ... ذابّاً عن مذهب مالك، قائماً بالحجة عليه، بصيراً بالرَّدِّ على أهل الأهواء)).

 

إنجاز: مصطفى عكلي

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك

انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك

يندرج كتاب «انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك» لأبي عبد الله شمس الدين الراعي الأندلسي (تـ853هـ)ضمن المؤلفات التي صنفت في مناقب الأئمة أصحاب المذاهب ، لبيان فضلهم وعلمهم واجتهادهم، حتى يعرفهم الناس ويقتنع مقلّدوهم بمكانتهم العلمية والخلقية التي أهلتهم لاستنباط الأحكام الشرعية وتأسيس المذاهب، وخصوصا مذهب عالم المدينة.

الانتصار لأهل المدينة

الانتصار لأهل المدينة

ألف علماء المالكية كتباً جليلة ومصنفات حسان للاحتجاج على مذهب مالك والرد على المخالفين، وقد ظهر هذا النمط من التأليف مند قرون مبكرة كانت الغاية منه الحفاظ على استمرارية المذهب وتوطيد أركانه، ومناصرة طريقته بالحجة والبرهان، ويأتي في مقدمة هذه التآليف كتاب الانتصار لأهل المدينة للإمام الحافظ الفقيه المشاور أبي عبد الله محمد بن عمر القرطبي المعروف بابن الفخار(تـ419هـ)، الذي يعتبر بحق نموذجاً حياً للحوار الفقهي الذي ساد بين الفقهاء المتقدمين في البيئة الأندلسية.

تهذيب المسالك، في نصرة مذهب مالك

تهذيب المسالك، في نصرة مذهب مالك

تميزت حركة التأليف في التراث الفقهي الإسلامي خلال مراحلها الأولى بالتنوع والثراء الناتجين عن الإبداع المطلق المتحرّر، وقد احتلّ التأليف في الخلاف الفقهي مرتبة عليا من بين الأصناف التي اشتهرت آنذاك، ويُعدّ كتاب «تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك» من أهم الكتب المؤلّفة في نصرة مذهب إمام أهل المدينة، وإيراد الخلاف في المسائل الفقهية بطريقة تسلك بالمخالفين منهج التوافق والإنصاف.