كتب الانتصار للمذهب

انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك
انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك


يندرج كتاب «انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك» لأبي عبد الله شمس الدين الراعي الأندلسي (تـ853هـ)ضمن المؤلفات التي صنفت في مناقب الأئمة أصحاب المذاهب ، لبيان فضلهم وعلمهم واجتهادهم، حتى يعرفهم الناس ويقتنع مقلّدوهم بمكانتهم العلمية والخلقية التي أهلتهم لاستنباط الأحكام الشرعية وتأسيس المذاهب، وخصوصا مذهب عالم المدينة.

وتأتي أهمية الكتاب في كون مؤلفه من أعلام عاصمة الدولة النصرية غرناطة في القرن الثامن الهجري، فقد ولد بها سنة (782هـ) تقريبا، وتلقى تعليمه عن أعلام عصرها من أمثال الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الملك المنتوري، والإمام الفقيه المحدث أبو عبد الله محمد بن علي الحفّار، ومفتي غرناطة أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن فتوح العقيلي، ثم شدّ الرحال إلى مصر فاستقرّ بالقاهرة وأخذ بها عن الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره. وانصبّ اهتمام الراعي بالأساس إلى علم النحو؛ فوضع شرحين على المقدمة الشهيرة لابن آجُرّوم سمى الأول «عنوان الإفادة لإخوان الاستفادة»، والآخر «المستقل بالمفهومية في شرط ألفاظ الجرومية»، كما شرح ألفية ابن مالك، وغير ذلك. توفي رحمه الله في ذي الحجة من سنة (853هـ).

ولعلّ من أسباب تأليف الكتاب انتشار ملامح التعصب في عصر المؤلّف؛ الذي جرف معظم المتفقّهة، بل وقع فيه جملة من مشاهير العلماء، يقول رحمه الله: «كان السبب في تصنيفي هذا الكتاب أنني سمعت كثيرا من طلبة المالكية ـ كثّرهم الله ـ يشتكون كثرة ما يسمعونه في هذه البلاد من أرباب المذاهب من التعصب والجهل وقلة الحياء وكثرة الإساءة على مذهب إمام أئمة الملة الإسلامية ... مالك بن أنس رضي الله عنه، ... فظهر لي أن أجمع لهم في هذا الكتاب مختصرا من كلام السلف والخلف، وأن أذكر فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لعالم المدينة مالك بن أنس رحمه الله، وبعض كلام الأئمة الثلاثة وغيرهم في ترجيح مالك وترجيح عِلْم أهل المدينة رضي الله عنهم، ليستعينوا به على دفع من تعدّى وتطرق بالفجور والتعصب عليهم».

ورتّب المؤلّف الكلام في الكتاب على فصول خمسة: الأول في ترجيح مالك على غيره من أقرانه رضي الله عنهم، والثاني في ترجيح مذهبه وترجيح أصوله التي بنى عليها مذهبه، والثالث في نقل بعض من مسائل الخلاف التي يكثر السؤال عنها ويتكرّر الكلام فيها بين أرباب المذاهب، والرابع فيما رأَيْتُه أو سمعتُه من تعصُّبات أرباب المذاهب على مذهب مالك الموجبة لتصنيف هذا الكتاب، والخامس في ذكر بعض المسائل التي غلط فيها أكثر الخاصة والعامة في هذه البلاد. وقد اعتمد الإمام الراعي في عرض مادته أسلوبا رائقا سامياٍ، متشبعا بروح الإنصاف، ومترفّعا عن غوائل التعصب الممقوت، فبقدر ما كان يؤلمه تعصّب المتعصّبين، كان يُعْجَب بإنصاف المنصفين ومواقفهم، وَوَصَلَت به مراعاة مصلحة الأمة إلى حدّ اقتراح حذف الكلام المثير للتعصّب والمؤدّي إلى المسّ من شخصيات الأئمة من الكتب تماماً؛ قال: «كان الحقّ والإنصاف أن لا ينقل مثل هذا الكلام كلّه، وأن يمحى من الكتب لأنه علم لا ينفع اليوم، وجهالة لا تضرّ، بعدما تقرّرت المذاهب، واستقرّ دين الإسلام على المذاهب الأربعة، وانعقد إجماع أهل الإسلام على متابعتهم وترك علم غيرهم».

وقد تنوعت مصادر الإمام الراعي في كتابه نظرا لتشعب موضوعاته بين المناقب والتراجم، والفقه والأصول بجميع مذاهبه وفروعه، والحديث والأثر، بل حتى السماعات والبلاغات التي وصلته عن طريق شيوخه وأقرانه أو ما عايشه هو نفسه من أحداث ووقائع من خلال رحلاته وتنقلاته، وهذا ما جعل الكتاب غزير الفوائد، متفرّدا في موضوعه باختيارات وتحليلات يندر الوقوف عليها في تصنيف، وهو الأمر الذي جعل المقري وغيره يستحسنون موضوعه ويثنون عليه.

إلا أن كتاب الراعي لم يحظ بالذيوع الذي كان يرجى من ورائه، وهذا ربما راجع إلى النعرة العصبية التي كانت في وقته، أو ربما كان لاستقراره بالقاهرة آخر حياته أثر في ذلك. وكيفما كان الحال نقول: لكلّ شيء أوان، وقد آن لكتاب الراعي الظهور بعد قرون، وللمحقق محمد بن هادي أبو الأجفان رحمه الله الفضل في خدمة هذا الأثر النفيس وإخراجه بصورة تليق بمقامه عندما أصدره لأول بدار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1981م، ثم بادرت دار ابن حزم بعد وفاته إلى إعادة نشره في طبعة جديدة منقحة 1431هـ/2010م.

إعداد نور الدين  شوبد

الكتاب انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك.
المؤلف شمس الدين محمد بن محمد الراعي الأندلسي (تـ853هـ).
مصادر ترجمته  الضوء اللامع (9/203)، نفح الطيب (2/694).
دار النشر دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1431هـ/2010م، تحقيق محمد بن الهادي أبو الأجفان.
الثناء على المؤلف قال المقري في نفح الطيب: «وكتاب انتصار الفقير السالك لمذهب الإمام الكبير مالك في كراريس أربعة حسن في موضوعة».


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الانتصار لأهل المدينة

الانتصار لأهل المدينة

ألف علماء المالكية كتباً جليلة ومصنفات حسان للاحتجاج على مذهب مالك والرد على المخالفين، وقد ظهر هذا النمط من التأليف مند قرون مبكرة كانت الغاية منه الحفاظ على استمرارية المذهب وتوطيد أركانه، ومناصرة طريقته بالحجة والبرهان، ويأتي في مقدمة هذه التآليف كتاب الانتصار لأهل المدينة للإمام الحافظ الفقيه المشاور أبي عبد الله محمد بن عمر القرطبي المعروف بابن الفخار(تـ419هـ)، الذي يعتبر بحق نموذجاً حياً للحوار الفقهي الذي ساد بين الفقهاء المتقدمين في البيئة الأندلسية.

تهذيب المسالك، في نصرة مذهب مالك

تهذيب المسالك، في نصرة مذهب مالك

تميزت حركة التأليف في التراث الفقهي الإسلامي خلال مراحلها الأولى بالتنوع والثراء الناتجين عن الإبداع المطلق المتحرّر، وقد احتلّ التأليف في الخلاف الفقهي مرتبة عليا من بين الأصناف التي اشتهرت آنذاك، ويُعدّ كتاب «تهذيب المسالك في نصرة مذهب مالك» من أهم الكتب المؤلّفة في نصرة مذهب إمام أهل المدينة، وإيراد الخلاف في المسائل الفقهية بطريقة تسلك بالمخالفين منهج التوافق والإنصاف.

الذب عن مذهب مالك لابن أبي زيد القيرواني

الذب عن مذهب مالك لابن أبي زيد القيرواني

((كتاب الذّبّ عن مذهب مالك في غير شيءٍ من أصوله، وبعض مسائل فروعه، وكشف ما لبّس به بعض أهل الخلاف، وجهله من محاجِّ الأسلاف))، لأبي محمد ابن أبي زيد القيرواني(386هـ) ، ردّ أصولي وفقهي على أحد ظاهرية الغرب الإسلامي، لا يعرف اسمه على التعيين، تجرأ على الطعن في إمام دار الهجرة مالك بن أنس، رضي الله عنه، في مؤلَّفٍ وضعه لهذا الغرض، سماه: التنبيه والبيان في مسائل اختلف فيها مالك والشافعي.