نصوص في الحديث وعلومه

الخير كله في اتباع من سلف


يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي في المسألة الحادية عشرة من كتاب الاعتصام (2/261):
فإن الحديث الصحيح قال: «لتتبعن سَنَن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذارع ، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ لاتبعتموهم، قلنا : يا رسول الله! اليهود والنصارى ؟ قال فمن؟»؛ زيادة إلى حديث الترمذي الغريب، فدل ضرب المثال في التعيين على أن الاتباع في أعيان أفعالهم.

وفي الصحيح: عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سِدْرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون)، لتركبن سنن من كان قبلكم.

وصار حديث الفرق بهذا التفسير صادقاً على أمثال البدع التي تقدمت لليهود والنصارى، وأن هذه الأمة تبتدع في دين الله مثل تلك البدع، وتزيد عليها ببدعة لم تتقدمها واحدة من الطائفتين، ولكن هذه البدعة الزائدة إنما تعرف بعد معرفة البدع الأُخَر، وقد مر أن ذلك لا يعرف، أو لا يَسُوغ التعريف به ـ وإن عرف ـ، فلذلك لا تتعين البدعة الزائدة ، والله أعلم.

وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون من قبلها، شبراً بشبر وذراعاً بذراع ، فقال رجل : يا رسول الله! كما فعلت فارس والروم؟ قال: وهل الناس إلا أولئك؟

وهو بمعنى الأول، إلا أنه ليس فيه ضرب مثل، فقوله : «حتى تأخذ أمتي أخذ القرون من قبلها»؛ يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به، إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وقد تتبعها في أشباهها.

فالذي يدل على الأول قوله : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث؛ فإنه قال فيه: «حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لاتبعتموهم».

والذي يدل على الثاني قوله: «فقلنا: يا رسول الله؛ اجعل لنا ذات أنواط، فقال عليه السلام: «هذا كما قالت بنو إسرائيل: (اجعل لنا إلها...) الحديث. فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بعينه، فلذلك لا يلزم في الاعتبار المنصوص عليه أن يكون ما لم ينصَّ عليه مثله من كل وجه، والله أعلم.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت

  هذا الكلام يُتَمثَّلُ به، وليس من الأمثال، وفي الخبر: مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحيِ فاصنع ما شئت، وفُسِّرَ بمعنيين: أحدهما ظاهر، وهو المشهور: إذا لم تستحي من العيب ولم تخش عارا ولا لوْماً مما تفعل، فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا أم لا.

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

شرح حديث: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»

  اتفق أهل السنة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام، وخالفهم أهل البدع؛ فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة.

الشروح المغربية على صحيح مسلم

الشروح المغربية على صحيح مسلم

 تفاوتت عناية المغاربة في الاهتمام بالمصنفات الحديثية، والمتصفح لكتب الفهارس والأثبات المغربية يجد سيلا من الكتب الحديثية الأولى التي كان الشيوخ يدرسونها، ويجيزون بها طلابهم، ومن هذه المصنفات ما يذكره ابن خير في فهرسه مثل: مسند حديث الأوزاعي، ومسند حديث ابن جريج، ومسند حديث الزهري وعلله...

«في وجوب طلب علم الحديث والسنن وإتقان ذلك وضبطه وحفظه ووعيه»

لاخفاء على ذى عقل سليم، ودين مستقيم بوجوب ذلك والحض عليه، لأن أصل الشريعة التي تعبدنا بها إنما هي متلقاة من جهة نبينا، صلوات الله عليه وسلامه، إما فيما بلغه من كلام ربه وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفل الله بحفظه فقال جل وعز:﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾[الحجر:9].

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

الكلام على الوضَّاعين والصِّفات التي تلزم المحدِّث أن يتصف بها

قال ذو النَّسَبَيْنِ أبو الخطاب ابن دِحية الكَلْبي (ت633هـ) في كتابه «أداء ما وجب من بيان وضع الوضَّاعين في رجب»، بياناً منه لهذه المسألة:

 «والكلام في الوضّاعين، نصيحة لله ربَّ العالمين، ولرسوله محمد سيّد المُرسلين، وليست بغِيبةٍ عند جماعة فُقهاء المسلمين.