نصوص في علوم القرآن والتفسير

من هدي القرآن للتي هي أقوم


قال الشيخ العلامة  محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي(ت1393هـ) في تفسيره الرائع "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن":

«...ومن هدي القرآن لِلَّتي هي أقوم: هديُه إلى أن التَّقدم لا يُنافي التَّمسُّك بالدِّين فما خَيَّله أعداءُ الدين لضعافِ العقول ممن ينتمي إلى الإسلام: من أن التقدم لا يُمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام باطلٌ لا أَساس له، والقرآن الكريم يدعو إلَى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين. ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية، قال تعالى:(وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)  [الأنفال:60]، وقال:(وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً)[ سبأ:10-11]،  فقوله:(أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ) يدل على الاستعداد لمكافحة العدو. وقوله:(وَاعْمَلُواْ صَالِحاً)  يدل على أن ذلك الاستعداد لمكافحة العدو في حدود الدين الحنيف، وداود من أنبياء (سورة الأنعام)  المذكورين فيها في قوله تعالى:(وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ) [الأنعام: الآية84]، وقد قال تعالى مخاطباً لنبينا صلى الله عليه وسلم  وعليهم بعد أن ذكرهم:(أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: الآية90].  

... فدلّ ذلك على أنّا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به داود. فعلينا أن نستعد لكفاح العدوّ مع التمسك بديننا، وانظر قوله تعالى:(وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)   فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت. فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأُول إذا طرأ تطور جديد. ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين.

ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى:(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَواةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) [النساء: الآية102] الآية، فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدلّ على لزوم الجمع بين مكافحة العدوّ، وبين القيام بما شرعه الله جلَّ وعلا من دينه. فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلح يدلُّ على ذلك دلالة في غاية الوضوح، وقد قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال: الآية45] فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله كثيراً عند التحام القتال يدلُّ على ذلك أيضاً دلالة واضحة. فالكفار خَيَّلوا لضعاف العقول أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين، والسَّمت الحسن والأخلاق الكريمة تباين مقابلة كتباين النقيضين، كالعدم والوجود، والنفي والإثبات. أو الضدين كالسواد والبياض، والحركة والسكون. أو المتضائفين كالأبوة والبنوة، والفوق والتحت. أو العدم والملكة كالبصر والعمى ....

فخَيَّلوا لهم أن التقدم والتمسك بالدين متباينان تباين مقابلة بحيث يستحيل اجتماعهما، فكان من نتائج ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.

والتحقيق أن النِّسبة بين التقدم والتّمسّك بالدين بالنظر إلى العقل وحده، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسُّنَّة إنما هي تباين المخالفة، وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تباين حقيقة الآخر، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلاً في ذات أخرى كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة.

فحقيقة البياض في حدِّ ذاتها تباين حقيقة البرودة. ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعها في ذات واحدة كالثلج. وكذلك الكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعداً متكلماً في وقت واحد، وهكذا. فالنسبة بين التمسك بالدِّين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلاً أن يكون بارداً كالثلج، والإنسان القاعد يجوز عقلاً أن يكون متكلماً، فكذلك المتمسك بالدين يجوز عقلاً أن يكون متقدماً؛ إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، مشتغلاً في جميع الميادين التقدمية كما لا يخفَى، وكما عرفه التاريخ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) [الحج: الآية40]،  وقوله:  (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ) [الروم: الآية47] وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-172] ... ونحو ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث.

فإن النِّسبة بين التّمسّك بالدين والتقدم كالنِّسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم، كما صرَّحت به الآيات المذكورة. ومعلوم أن النِّسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين: إما أن تكون المساواة أو الخصوص المطلق؛ لأن الملزوم لا يمكن أن يكون أعمّ من لازمه. وقد يجوز أن يكون مساوياً له أو خُصّ منه ولا يتعدى ذلك ...   

فانظر كيف خَيَّلوا لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين. وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجَهلهم وعمى بصائرهم، فهم ما تَقَوَّلوا على الدين الإسلامي ورموه بما هو منه بريء إلا لينفروا منه ضعاف العقول ممن ينتمي للإسلام؛ ليمكنهم الاستيلاء عليهم، لأنهم لو عرفوا الدِّين حقاً واتبعوه لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم، فالدين هو هو، وصلته بالله هي هي، ولكن المنتسبين إليه في جلّ أقطار الدنيا تنكروا له، ونظروا إليه بعين المقت والازدراء، فجعلهم الله أرقاء للكفرة الفجرة، ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عِزِّهم ومَجدهم، وقادوا جميع أهل الأرض. وهذا مما لا شك فيه (ذَالِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) [محمد: الآية4].

المصدر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، طبع على نفقة سمو الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود، تنفيذ مكتبة المعارف-الرباط.

انتقاء: د. مصطفى عكلي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القلب السليم

القلب السليم

  لا يكونُ القلب سليماً إذا كان حقوداً حسوداً، معجباً متكبراً، وقد شرط النبيء ـ ‏صلى الله عليه وسلم- في الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏.

الإمالة وأقسامها

الإمالة وأقسامها

قال محمد بن يوسف الجَنَاتِي (ت780هـ) رحمه الله: تنقسم الإمالة على أربعة أقسام: إمالة في اللفظ والخط، وإمالة في اللفظ دون الخط، وإمالة في الخط دون اللفظ، وإمالة موجودة في الانفصال ساقطة في الاتصال، وهي في الخط ثابتة.

أقسام النفس

أقسام النفس

 قسم الله حال النفس قسماً به يتبين أمرها وتزيد المعرفة بها، ويدل على وجودها رَبُـها، وصفاته، وحكمته في أحكامه، وذلك في ثلاثة أقسام: أمّارة بالسوء، ولوّامة، ومطمئنة.

أسماء سورة الإخلاص

أسماء سورة الإخلاص

يقول الإمام العلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي(تـ1376هـ)، في مقدمة كتابه «تفسير سورة الإخلاص»، تعدادا منه لأسماء السورة:

لها أسماء كثيرة، لأن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبا، فتسمى:...

أبيات في الترحيب بالقرآن الكريم

أبيات في الترحيب بالقرآن الكريم

قال أبو النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي (ت991هـ) رحمه الله:

فَأَهْلاً وَسَهْلاً يَا حَبِيبِي وَمَرْحَباً   وَيَا قُرَّةَ الْعَيْنَيْنِ يَا أَكَرْمَ الْكُتْبِ  /  سَلَامٌ كَرِيمٌ فَاقَ كُلَّ تَحِيَّةٍ    بِسَمْحٍ وَإِقْبَالٍ وَيَا ثَمَرَةَ الْقَلْبِ