نصوص في الآداب والأخلاق والوعظ

أجر تبليغ الرسالة


يقول محيي الدين ابن عربي الطائي الحاتمي (ت638هـ) في الباب السابع عشر وأربعمائة في معرفة منازل من أجره على الله:

قال الله تعالى:﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾، وقال عز وجل:﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾، وأخبر الله في كتابه عن كل رسول من رسله عليهم السلام أنه قال لأمته:«﴿ما أسألكم عليه من أجر﴾ فيما بلغه عن الله إليهم ﴿إن أجري إلا على الله﴾، فإنه تعالى هو الذي استخدمه في التبليغ، فاعلم أن الله تعالى له المنة على عباده بأن هداهم للإيمان برسله، فوجب عليهم شكر الله وحلاوة الرسول، فيضمنها الله عنهم بأن جعل أجر رسوله صلى الله عليه وسلم عليه، وضمّ في ذلك الأجر ما يجب على المؤمنين من الحلاوة له لما هداهم الله به، فأنزله صلى الله عليه وسلم منزلة من له تضاعف الأجر: أجر التبليغ، وأجر ما قام فيه الحق خليفة عن المؤمنين؛ إذ هو الوكيل تعالى عن أمره إيذاناً بقوله:﴿فاتخِذه وكيلاً﴾ من غير أن ينقص مما هو للمؤمنين شيئاً من نعيمهم.

فاعلم أن أجر التبليغ على قدر ما ناله في البلاغ من المشقة من المخالفين له من أمته التي بعت إليها ولما قاساه، ولا يعلم قدر ذلك من كل رسول إلا الله، ولا يتعين، وأما الذي يعطيه مما كان ينبغي أن يقابله به المؤمنين، فهو على نوعين:

النوع الواحد على قدر معرفتهم بمنزلته ممن أرسله إليهم وهو الله، فإن الله تعالى فضّل بعضهم على بعض.
والنوع الثاني على قدر ما جاء به في رسالته مما هو بشرى لصاحب تلك الصفة التي من قامت به كان سعيداً عند الله، فما كان ينبغي أن يقابله به ذلك الرجل هو الذي يعطيه الحق فإن ساوى حال المؤمن قدر الرسالة كان، وإن قصر حاله عما تقتضيه تلك الرسالة من التعظيم، فإن الله بكرمه لا ينظر إلى جهل الجاهل بعظيم قدرها، فيوفيه الحق تعالى على قدر علمه فيها ولا نشك أن الله قد جعل المفاضلة في كل شيء والعالي والأعلى، وإن كان الإيمان بالله وبرسوله وبما جاء به عالياً فإنه يتفاضل بتفاضل شعبه وأبوابه، فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول لا إله إلا الله وما بينهما، فمن جمع شعب الإيمان كلها فجزاء الرسول من الله عن هذا الشخص الجامع على قدر منازلها عند الله العالم بالعالي منها وبالأعلى.

فانظر ما للرسول عليه السلام من الأجور، فأجر التبليغ أجر استحقاق، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله»، وأما من سأل من الصحابة عن أمر ما من الأمور مما لم ينزل فيه قرآن، فنزل فيه قرآن من أجل سؤاله، فإن للرسول على ذلك السائل أجر استحقاق ينوب الله عنه فيه زائداً على الأجر الذي له من الله، وأما من ردّ رسالته من أمته التي بعث إليها، فإن له عند الله أيضاً أجر المصيبة، وللمصاب فيما يحب أجر فأجره على الله أيضاً على عدد من رد ذلك من أمته بلغوا ما بلغوا وله من أجر المصاب أجر مصائب العصاة، فإنه نوع من أنواع الرزايا في حقه، فإنه ما جاء بأمر يطلب العمل به إلا والذي يترك العمل به قد عصى، فللرسول أجر المصيبة والرزية وهذا كله على الله الوفاء به لكل رسول.

النوع الثاني: ممن أجره على الله، وهو المهاجر يموت قبل وصوله إلى المنزل الذي هاجر إليه، فإن أجره على الله على قدر الباعث الذي بعثه على الهجرة، والناس في ذلك متفاضلون، ثم إن الله ينوب عن رسوله فيما يعطيه من الأجر فإنه خرج مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم إن له أجر الفوت بالموت الذي أدركه وذلك من الله، فإنه الذي رزأه وحال بينه وبين الوصول إلى مهاجره فالدية عليه، فإن كان هذا الذي يموت عالماً عاقلاً فأعظم من لقاء الله ورؤيته، فما يكون وقد حصل له ذلك بالموت، فهو أفضل في حقه من أنه يعيش حتى يصل، فإنه لا يدري ما دام في الحياة الدنيا ما يتقلب عليه من الأحوال فإنه في محل خطر سريع التبديل، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ما خرّجه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، ثم يضاف إلى هذه الأجور قدر كرم المعطي وغناه، وهذا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم:«أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، يعني من المجزيين، وتحت قوله وزيادة من قوله:«للذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، وهذه الزيادة ما عَيَّنها الحق لأحد، وأكد هذا الأجر على غيره ممن له أجر على الله بالوقوع وهو الوجوب، فإن الأجر قد يقتضيه الكرم من غير وجوب وقد يقتضيه الوجوب والذي يقتضيه الوجوب أعلى، كما أن الفرائض أعلى وأحب إلى الله من النوافل، صح في الخبر:«إن الله تعالى يقول ما تقرب إلى أحد بأحب إلىّ مما افترضته عليه» فجعله أحب إليه، ثم قال ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره، فهذا نتيجة النوافل فما ظنك بنتيجة الفرائض، وهي أن يكون العبد سمع الحق وبصره وقد بينا صورة ذلك فيما تقدم، فيريد الحق بإرادة العبد، وهذا المقام ذكرته العرب في حق محمد صلى الله عليه وسلم وفي النوافل يريد العبد بإرادة الحق، ويظهر معنى ما ذهبنا إليه في اتصاف الحق بنعوت المخلوق، وفي الوجه الآخر اتصاف العبد بصفات الحق، وهذا في الشرع موجود.

النوع الثالث: ممن أجره على الله، وهو من عفا عمن أساء إليه وأصلح، يعني حال من أساء إليه بالإحسان فأصلح منه ما كان أوجب الإساءة إليه منه، فما أراد هنا بأصلح إلا هذا ولا يحصل في هذا المقام إلا من له همة عالية، فإن الله قد أباح له أن يجازى المسيء بإساءته على وزنها، فأنف على نفسه أن يكون محلاً للإتصاف بما سمّاه الحق سيئة ما عينها الحق لأحد، وأكد هذا الأجر على غيره ممن له أجر على الله بالوقوع وهو الوجوب، فإن الأجر قد يقتضيه الكرم من غير وجوب وقد يقتضيه الوجوب، والذي يقتضيه الوجوب أعلى، كما أن الفرائض أعلى وأحب إلى الله من النوافل، صح في الخبر:«إن الله تعالى يقول ما تقرب إلى أحد بأحب إلىّ مما افترضته عليه»، فجعله أحب إليه، ثم قال ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره فهذا نتيجة النوافل، فما ظنّك بنتيجة الفرائض وهي أن يكون العبد سمع الحق وبصره وقد بينا صورة ذلك فيما تقدم، فيريد الحق بإرادة العبد، وهذا المقام ذَكَرته العرب في حق محمد صلى الله عليه وسلم وفي النوافل يريد العبد بإرادة الحق، ويظهر معنى ما ذهبنا إليه في اتصاف الحق بنُعوت المخلوق، وفي الوجه الأخر اتصاف العبد بصفات الحق وهذا في الشرع موجود. انتهى.

الفتوحات المكية في معرفة الأسرار الملكية:(4/26-27)، محيي الدين بن علي بن محمد ابن عربي الطائي الحاتمي (ت638هـ)، دار إحياء التراث العربي، لبنان 1418هـ- 1998م ، الطبعة: الأولى.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

السلامة في السكوت عن عيوب الناس

السلامة في السكوت عن عيوب الناس

  أَدْرَكْت بهَذهِ الْبَلْدَة - يعْنِي الْمدِينَةَ - أقْواماً لم تَكُن لهُم عُيُوبٌ، فعابُوا النَّاسَ؛ فصَارَت لهم عُيُوبٌ، وأَدْرَكَتُ بهَا أقْوَاماً كانَتْ لهُم عُيُوبٌ، فسَكَتُوا عَن عُيُوبِ النَّاسِ؛ فنُسِيتْ عُيُوبُهُمْ.

وصية المقري لطالب العلم الشرعي

وصية المقري لطالب العلم الشرعي

  وَلَا تُفْت إلَّا بالنَّصِّ، إلَّا أَن تَكُون عَارِفا بوجُوه التَّعْلِيل، بَصِيراً بمَعْرِفة الأشْبَاهِ والنَّظَائِر، حَاذِقا في بَعْضِ أصُولِ الفِقْهِ وفُروعِهِ، إمَّا مُطْلَقا، أو عَلى مَذْهَب إمامٍ من العَدْوَة.

جزاء النصح لله

جزاء النصح لله

ما ناصحَ اللهَ عبدٌ مسلمٌ في نفْسه فأخَذ الحقَّ لها، وأعطى الحقَّ منها، إلا أُعْطيَ خصْلتان: رزقٌ من الله يقْنع به، ورضىً من الله عنه.

معْنى الزُّهْد

معْنى الزُّهْد

قال الإمام مالك، رحمه الله في معنى الزهد: الزُّهْد في الدِّين: طِيبُ المكْسَب، وقصَرُ الأَمَل.

من علامات السَّعادة على العبد‏

من علامات السَّعادة على العبد‏

  الطُّرق إِلَى الله كثِيرةٌ، وأوضَحُ الطُّرقِ وَأبعَدُها عن الشُّبه: اتِّبَاعُ السُّنةِ قوْلاً وفعْلاً ‏وعزْماً وعقْداً ونِيَّةً؛ لأنَّ الله يقولُ: "وإن تطيعوه تهتدوا"‏.