أعلام القرن الحادي عشر الهجري

مَحمد بن سعيد المِرْغْتِي (ت1089هـ)

هو العالم الصالح شيخ المحدثين وقدوة العابدين أبو عبد الله مَحمد ـ فتحا ـ بن سعيد بن محمد بن يحيى السُّوسي المِرْغْتِي، ويقال: المِرْغِيتِي،  نسبة إلى قرية مِرْغِت أو مِرْغِيت، وينطقها أهلها اليوم: مِرْغْت بكسر الميم وسكون الراء والغين معا وهي من قرى الاخصاص، تبعد عن مدينة تيزنيت بنحو 15 كيلومترا، حيث أصله منها.

ولد سنة (1007هـ)، ونشأ في أسرة لها حظ من الصلاح والديانة، فتلقى تعليمه الأولي الذي يقوم على حفظ القرآن، وأخذ بعض مبادئ العربية، والفقه والأدب، ثم انتقل إلى تارودانت التي كانت تعتبر في عصره أكبر المراكز العلمية بسوس، فأخذ عن جلّة أعيانها من العلماء أمثال أبي القاسم بن أحمد الهوزالي(ت1048هـ)، وأبي مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني(ت1062هـ)، وأبي زيد عبد الرحمن بن محمد التمنارتي(ت1060هـ)، وأخذ علوم الحديث عن حافظ الوقت عبد الله بن علي بن طاهر الحسني(ت1045هـ)، ثم بعد ذلك قصد حاضرة العلم فاس رغبة منه في الجلوس إلى علمائها وتعزيز معارفة العلمية، فأخذ بها عن أبي محمد عبد الواحد بن عاشر(ت1040هـ)، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الجنان(ت1050هـ)، وأبي حامد العربي بن يوسف الفاسي(ت1052هـ)، وقادته الرحلة منها إلى جبال غمارة وبلاد الهبط فأخذ هناك عن الفقيه النوازلي إبراهيم بن عبد الرحمن الكلالي(ت1047هـ)، كما رحل إلى الحج وجاور مدة بالحرمين الشريفين.

ولما تشبع العلامة المرغتي بأنواع من العلوم وأخذ فيها بحظ وافر، استقر بمدينة مراكش وتصدى للتدريس بمسجد المواسين الشهير مدة طويلة، وقصده الطلبة للأخذ عنه ونبغ على يديه عدد كبير منهم: محمد المعطي بن عبد الخالق الشرقي(ت1092هـ)، وأحمد بن عبد الحي الحلبي الشافعي(ت1120هـ)، وأجاز الفقيهَ محمد بن الخطيب عبد الرحمن التلمساني، وإبراهيم بن حسن الكوراني(ت1101هـ)، كما درس مدة بالزاوية الدلائية وأخذ عنه من أعلامها العلامة أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي(ت1102هـ).

اتصف المرغتي رحمه الله بالهيبة والوقار وحسن الطَّوِيَّة، والمشاركة في العلوم من تفسير وحديث ولغة وفقه، وكانت له معرفة أيضا بعلم الطب وتصدر للعلاج مدة، ثم تخلى عنه بسبب أن إنسانا أتى بهراقة فيها بول وأدخلها عليه في المسجد فقال: إن علما يؤدي بي إلى أن أكون سببا في دخول المسجد بالنجاسة لا أشتغل به.
وكان في بداية أمره يقرض  الشعر، واستكتبه بعض أمراء الدولة السعدية مدة.

اشتهر المرغتي عند العامة والخاصة بلين الجانب والعلم الوافر، فتتابعت عبارات الثناء عليه من قبل معاصريه،  فهذا محمد الصغير الإفراني يقول في صفوته:«كان رحمه الله إماما في علوم الحديث والسير، له اليد الطولى في ذلك، وإليه المرجع فيما هنالك»، ويقول العلامة محمد المختار السوسي:«الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، خاتمة المحدثين، وسراج المريدين»، ونقل الشيخ عبد الحي الكتاني عن تلميذه محمد المعطي بن عبد الخالق الشرقي صاحب الموائد السنية أنه قال عنه: «متبع للسنة، مجتنب للبدعة، منفِّر عنها غاية التنفير، كثير المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم».

عُرف عن المترجم إلى جانب  تدريس العلوم اشتغاله بالتأليف، إذ ألّف رحمه الله مؤلفات نافعة ذاعت وانتشرت في حياته وتهافت الناس عليها بعد وفاته، فمنها على سبيل المثال لا الحصر فهرسته الحافلة الموسومة بـ«العوائد المُزْرية بالموائد»، وهي مطبوعة يجد فيها مطالعها من فوائد اللغة والشعر والأدب والفقه ما يعز وجوده في غيرها، ومن تآليفه أيضا «المستعان في أحكام الآذان»، وهي منظومة في بحر الرجز، و«كتاب كبير في مناسك الحج» عبارة عن منظومة أيضا منه نسخة بالمكتبة الوطنية بالرباط برقم(381ق)، وقد اشتهر رحمه الله بالحذق والبراعة في علم التوقيت وأبدع فيه عددا من التآليف المستحسنة؛ منها «المقنع في اختصار علم أبي مقرع»، وهي أرجوزة في 99 بيتا اختصر فيها أرجوزة الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي البطوي المعروف بأبي مقرع، وشرحها بشرح سماه «الممتع في شرح المقنع»، وهو مطبوع أيضا، ثم اختصره في «المطلع على مسائل المقنع»، طبع على الحجر قديما، وله أيضا مؤلفات في علوم أخرى تنم عن إحاطته بعلوم عصره ومشاركته فيها.

في سنة(1089هـ) فشا الطاعون وكثر الموت به، وفي السادس عشر من ربيع الثاني منه توفي العلامة المرغتي بعدما عمّر سنين عديدة قضاها في تحصيل العلم ونشره؛ فرحمه الله رحمة واسعة.   
  
مصادر الترجمة: صفوة من انتشر (ص304)، مباحث الأنوار في أخبار بعض الأخيار(ص204)، نشر المثاني(2/241)، التقاط الدرر(ص206)، الفكر السامي(ص612)، الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام(5/304)، فهرس الفهارس(2/554)، المعسول(11/185)، والأعلام للزركلي6/139، معلمة المغرب(21/7091)، مقدمة تحقيق العوائد المزرية بالموائد.

إعداد: ذ.جمال القديم.
 



اقرأ أيضا

عبد الواحد ابن عاشر الفاسي

هو الإمام، العالم العلامة، الورع الناسك، أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر الأنصاري نسباً، الأندلسي أصلاً، الفاسي منشأ وداراً، المعروف بابن عاشر الفاسي، وهو من حفدة الشيخ الشهير أبي العباس ابن عاشر السلاوي (ت765هـ).

عبد الرحمن بن عَمرو البَعْقِيلي(ت1006هـ)

هو الشيخ الإمام الفقيه العالم الفلكي المؤقت الحيسوبي اللغوي النحوي التاريخي أبو زيد عبد الرحمن بن عمرو بن أحمد بن زكرياء الرضيّ السوسي البعقيلي الجزولي الجَرادي.
ولد بقرية آيت الطالب في منطقة بعقيلة (إداوْبَعقيل)، الواقعة بالأطلس الصغير(جبل جزولة) ببلاد السوس في المغرب الأقصى، وهو من بيت آل عمرو المجيد..

محمد بن أحمد بن يوسف الفاسي تـ1084هـ

محمد بن أحمد بن يوسف الفاسي تـ1084هـ

 هو الشيخ الفقيه العلامة القاضي الإمام الجليل الأصيل الحافظ، أبو عبد الله محمد بن الإمام الحافظ أبي العباس أحمد بن أبي المحاسن يوسف الفاسي، ذكر صاحب شجرة النور أنه ولد سنة 1009هـ، وعند القادري في نشر المثاني أنه ولد بفاس سنة 1008هـ.

أبو زكرياء الحاحي تـ1035هـ

أبو زكرياء الحاحي تـ1035هـ

 هو يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم، أبو زكرياء الداودي المناني الحاحي، الفقيه الصوفي، ينتسب إلى الأسرة النَّعِيمِيَّة، إحدى أكبر وأشهر الأسرالعلمية بحاحا في جنوب غرب المغرب، وكان جده سعيد بن عبد المنعم (ت 953هـ) أشهر أعلام هذه الأسرة علما وعملا.

عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي تـ1091هـ

عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي تـ1091هـ

 هو العلامة الـمُشارك الـمُحصِّل للمفهوم والمنقول أبو محمد عبد القادر بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف بن عبد الرحمن القَصْرِي أصلاً، الفاسي ولداً وداراً وشهرةً، ولد بمدينة القصر الكبير عند زوال يوم الاثنين ثاني رمضان سنة تـ1007هـ، وتكفّل والده بتعليمه منذ صغره.