الموطأ وشروحه

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

للإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري(ت463هـ)

يعتبر كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لحافظ الأندلس والمغرب الإمام أبي عمر يوسف بن عبد البرّ النمري(ت463هـ) من أشهر وأوسع شروح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي المدني، وأعلاها قدرا، وأغزرها فائدة؛ تجلّت فيه شخصية ابن عبد البر العلمية ومقدرته في فقه الحديث وعلومه، وسعة اطلاعه على آثار السلف وأقوالهم، بل ومعرفته برواة الآثار وأنسابهم وبلدانهم وحالهم من الجرح والتعديل.

وقد أفصح ابن عبد البر في طالعة الكتاب عن السبب الدافع له لتأليف التمهيد فقال رحمه الله:«فإني رأيت كل من قصد إلى تخريج ما في موطأ مالك بن أنس رحمه الله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قصد بزعمه إلى المسند، وأضرب عن المنقطع والمرسل... فلم أَرَ جامعيه وقفوا عند ما شرطوه، ولا سلِم لهم في ذلك ما أمّلُوه، بل أدخلوا من المنقطع شيئا في باب المتصل، وأتوا بالمرسل مع المسند... ـ إلى أن قال: ـ رأيت أن أجمع في كتابي هذا ما تضمنه موطأ مالك بن أنس رحمه الله في رواية يحيى بن يحيى اللّيثي الأندلسي عنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مسنده ومقطوعه ومرسله وكل ما تمكن إضافته إليه صلوات الله وسلامه عليه».

ومن مزايا هذا الكتاب اشتماله على مقدمتين نفيستين يمكن اعتبارهما مدخلا ضروريا لفهم مقاصد الكتاب واستنباط فوائده، تحدث في أولاهما عن بعض أنواع علم الحديث كالحديث: المسند، والمنقطع، والمتصل، والموقوف، وفصّل القول في ذكر مذاهب العلماء في قبول بعضها ورده كالمرسل، والمدلس، وكانت هذه المقدمة من اللّبنات الأولى التي بنى عليها أصحاب المصطلح من بعده. وعرض في المقدمة الثانية عيونا من أخبار الإمام مالك، وجملة من آثاره ومناقبه، وفضل موطأه.

وبالنظر في منهج الكتاب نجد ابن عبد البر  يسلك فيه طريقة فريدة لم يسلكها أحد قبله، إذ نظّم مادته على أسماء شيوخ الإمام مالك الذين روى عنهم ما في الموطأ من الأحاديث، وقد رتّبهم على حروف المعجم حسب الترتيب المغربي، فبدأ بمن اسمه إبراهيم، ثم إسماعيل، وإسحاق، وختم بمن اسمه يحيى ويونس ويعقوب، وأخيرا بالكنى، ثم البلاغات، فيذكر اسم الشيخ ونسبه وكنيته وشيوخه، وحاله ووفاته، ثم مقدار ما رواه عنه مالك في الموطأ، مقدما فيها المتصل، ثم ما جرى مجراه مما اختلف في اتصاله، ثم المنقطع والمرسل.

ولما كان ابن عبدالبر رحمه الله يتوخى من كتابه هذا إبراز موقع آثار موطأ مالك من الصحة والاشتهار، والردّ على من طعن فيه، فإنه وَصَلَ كلّ مقطوع جاء متصلا من غير مالك، وووصل أيضا كل مرسل جاء مسندا من غير طريقه، كما شرح معانيها، واستخرج أحكامها، وجَلَبَ أقاويل العلماء في تأويلها، وإيضاح ناسخها ومنسوخها، وتكلّم على رجالها ورواتها، مع شرح ما استعجم من الألفاظ اعتمادا على أقاويل أهل اللغة، واستحضار الشواهد على المعاني والأسانيد، كما نصّ عليه في مقدمة الكتاب.

ومن أهم مميزات منهج ابن عبد البر سلوكه مسلك أهل الحديث في عدم تقيده برأي معين، وترجيح ما قوّاه الدليل وعاضده النظر والاجتهاد، ومنها أيضا اقتصاره في شرحه على ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديث متصلا أو منقطعا، أو موقوفا أو مرسلا، دون ما في الموطأ من الآراء والآثار؛ لأنه أفرد لها كتاب «الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار».

ومن نافلة القول التنبيه إلى وفرة المصادر التي اعتمد عليها ابن عبد البر في شرحه وتنوعها، فلئن كانت دواوين الحديث وأجزاؤه طاغية عليه، فهناك من مصادر الفقه، واللغة والشعر، وغيرها عدد كثير، كما اعتنى رحمه الله بحسن الصياغة فعرض شرحه في قالب بديع حرص فيه على وضوح العبارة، وإشراقة الكلمة، ونصاعة الأسلوب.

ولا شك أن مطالع كتاب التمهيد سيجده موسوعة علمية لا غنى عنها، وسيشهد بعظيم منزلته بين كتب الإسلام، ولا غرو في ذلك فقد قضى في تأليفه ثلاثين عاما كما أوضح ذلك في أبيات ختم بها كتابه(24/448) جاء فيها:

سمير فؤادي مذُّ ثلاثين حِجَّةً *** وصَيْقَلُ ذهني والمفرِّج عن همِّي

بسطتُّ لكم فيه كلامَ نبيِّكم *** لما في معانيه من الفقه والعلم

وفيه من الآداب ما يُهتدى به *** إلى البرّ والتقوى ويَنهى عن الظُّلم


وثناء العلماء على كتاب التمهيد مستفيض، ومن أشهر ما جاء في ذلك قول أبي محمد ابن حزم القرطبي(ت456هـ): «وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله، فكيف أحسن منه»، ولذلك كثر الناهلون منه كابن العربي في المسالك، والنووي في شرح مسلم، والحافظ ابن حجر في فتح الباري، وغيرهم كثير، بل اعتمده حتى أصحاب التراجم والرجال في نقل أقوال ابن عبد البر في جرح الرواة وتعديلهم، ومن هؤلاء الذهبي في ميزان الاعتدال، وابن حجر في تهذيب التهذيب، ومن صور الاعتناء به أيضا قيام مؤلفه باختصاره في كتابه «تجريد التمهيد» أو «التقصي لحديث الموطأ»، كما تصدى لاختصاره أيضا الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المفسر(ت671هـ)، الذي سمى مختصره «التقريب لكتاب التمهيد» ـ وهو مخطوط بالقرويين ـ، ونظم مقاصده القاسم بن خيرة الرعيني الشاطبي في قصيدة دالية تقع في خمسمائة بيت، كما جمع بينه وبين الاستذكار الإمام الفقيه هشام بن أحمد القرطبي المعروف بابن العواد(ت509هـ) إلا أنه توفي قبل إكماله.

صدر كتاب التمهيد بتحقيق د. مصطفى العلوي، ومحمد البكري،  وآخرين، ونشرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية ما بين سنة 1378هـ ـ 1412هـ / 1967/1992م، وما صدر من الطبعات بعدها كان الاعتماد فيه بالأساس عليها مع الرجوع لبعض النسخ المخطوطة أحيانا، ولعل أفضلها الطبعة التي صدرت بتحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ضمن موسوعة شروح الموطأ، عن مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية سنة 1426هـ/2005م، والطبعة التي صدرت مؤخرا بتحقيق أسامة بن إبراهيم عن دار الفاروق الحديثة سنة 2008م، لكن هذه الطبعة والتي قبلها تم الاعتماد فيهما على طبعة وزارة الأوقاف المغربية مع الرجوع لبعض نسخ الكتاب دون استيعاب جميع ما هو موجود منها في مختلف الخزائن؛ مما يجعل إضافتهما جد محدودة، كما أن تصرفهما بتغيير ترتيب الكتاب أفقد النص أهميته وقيمته وأبعده عما وضعه عليه مؤلفه، وبناء عليه فلا يزال هذا الكتاب النفيس مفتقرا إلى تحقيق علمي متين يقدمه في أدق صورة وأبهى حلّة.

الكتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد
المؤلف أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري (ت463 هـ)
مصادر ترجمته  جذوة المقتبس(2/586)، ترتيب المدارك(8/127)، بغية الملتمس(ص491)، الصلة (2/677)، تذكرة الحفاظ (3/1128)، الديباج المذهب (2/367)
دار النشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تحقيق د. مصطفى العلوي، ومحمد البكري، وآخرين، سنة 1378هـ ـ 1412هـ / 1967/1992م
الثناء على المؤلف قال أبو محمد ابن حزم: «هو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه»

إنجاز: ذ.جمال القديم.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك بن أنس

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك بن أنس

اعتنى العلماء بكتاب «الموطأ» للإمام مالك منذ تأليفه عناية لا تكاد تحصر، واستمرّت العناية به دون انقطاع على مرّ الزمان وفي مختلف الأصقاع حتى يومنا هذا، ومن شروحه التي شاعت وذاعت في القرون الأخيرة؛ كتاب «أنوار كواكب نهج السالك بمزج موطأ الإمام مالك» لإمام المالكية في عصره العلّامة المحدّث أبي عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزُّرقاني ـ بتشديد الزاي وضمهاـ المالكي الأزهري المصري.

 

تفسير غريب الموطأ

تفسير غريب الموطأ

يعد كتاب تفسير غريب الموطأ من أهم الكتب التي خطتها أنامل الشيخ الإمام أبي مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السُّلمِيُّ الأندلسي القرطبي المالكي (ت 238 هـ)، إذ يعتبر من أقدم الشروح على الموطأ وأفضلها وأجملها سواء من الناحية الأدبية أو الفقهية...  

المنتقى في شرح الموطأ

المنتقى في شرح الموطأ

يعتبر كتاب المنتقى لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي (تـ494هـ) من أهم شروح موطأ الإمام مالك وأحسنها تفريعا وأكثرها فائدة، عمّ نفعه بين الناس، وكثُر تداوله بينهم، ولقي قبولا منقطع النظير.

 

المسالك في شرح موطأ مالك

المسالك في شرح موطأ مالك

يعد كتاب «المسالك في شرح موطأ مالك» للقاضي الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت543هـ)، من أحسن الشروح الأندلسية التي وصلتنا لكتاب الموطأ بعد شروح ابن عبد البر وأبي الوليد الباجي.

 

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

يعدّ كتاب القبس للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي، الأندلسي الإشبيلي المالكي، الحافظ المشهور، من أنفع شروح الموطأ وأشملها، على كثرتها وتوافرها.
وأهمية «كتاب القبس» وقيمته العلمية تأتي من إمامة واضعه، وجلالة قدره، فهو الإمام، المفسر، المحدث، الفقيه، الأصولي، اللغوي، المؤرخ، وتسمية ابن العربي شرحه هذا بـ«القَبَس»، بفتحتين، ذات معنى ودلالة، فالقبس يعني شعلة من نار يقتبسها الشخص.