نصوص في السياسة الشرعية

الشريعة الإسلامية ديموقراطية وليست أريستقراطية

قال محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي في كتابه الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:
زعم بعض العصريين أن الشريعة الإسلامية أريستوقراطية مستدلاً بأحكام الأرقاء، وهو غلط فإنها ما جوزت استرقاق أسرى الحرب إلاَّ من باب مجازاة أمم ذلك الزمان بالكيل الذي تكيل به جرياً على عادتهم، بدليل أن الاسترقاق ليس بواجب، بل  الإمام مخير بين المَنِّ أو الفداء أو الاسترقاق أو القتل كي يجازي المحاربين بمثل ما يعملون أو يستحقون، والشارع متشوف للحرية مُرغِّب فيها بأنواع الترغيب، بل ألزم من أعتق جزءاً يسيراً من رقيق أن يعتق باقيه إن وجد مالاً، فالشرع يزيل الرقِّية بأدنى سبب، فمن زعم أن شريعة الإسلام أريستقراطية لم يصب بل هي ديموقراطية حقَّة، بمعنى أنها بنيت على مبدأ العدل والمساواة في الحقوق بين طبقات الناس، قال تعالى: [يأيها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أثقاكم] (الحجرات 13)، وقال عليه السلام: «كلكم من آدم وآدم من تراب»، وقال عليه السلام: «والله لو سرقت فاطمة ابنتي لقطعت يدها» كما في الصحيح، وحاشاها عليها السلام.

وقد حكم عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه على جبلة بن الأبهم وهو ملك غسان بالقصاص من لطمة لطمها رجلاً سوقياً، حتى أدى ذلك لردته، فمع هذه النصوص التي لا تقبل التأويل كيف يقال إنها أرستقراطية.

وهل يوجد في الدول الديمقراطية من يعامل أهل الذمة بمعاملة الشريعة الإسلامية التي توصي بأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وخففت عنهم التجنيد وجعلت بدله الجزية لئلا تكلفهم القتال على وطن غير وطنهم، وقال عليه السلام: «من ظلم لي ذمياً فأنا خصيمه يوم القيامة»، وفي آخر وصية أوصى بها: «استوصوا خيراً بذمة الله ورسوله».

ومن الأدلة على أنها ديموقراطية بناؤها على الشورى ونبذ الاستبداد والسلطة الشخصية، ودليل بنائها على المساواة في الأحكام أن خطاباتها عامة للذكر والأنثى والحر والعبد، وأنَّ كل خطاب فيها وأمر ونهي متناول للرسول فمن دونه إلاَّ إذا قام دليل على استثناء أو خصوصية، والاستثناءات لا تنافي الديمقراطية إذ لا يعقل تساوي أجناس الذكور والإناث في أحكام المني والحيض ونحو هذا، فالاستثناءات ضرورية لجميع الشرائع ولا تنافي الديمقراطية ولا المساواة، يعلم هذا كل منصف.

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (1/84-85)، تأليف محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي (ت1376هـ)، المكتبة العصرية صيدا لبنان، الطبعة الأولى: 1427هـ/2006م.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

هُمُومُ الملوكِ كبار

هُمُومُ الملوكِ كبار

  هموم النَّاس صغارٌ، وهموم الملوك كبارٌ، وألباب الملوك مشغولة بكلِّ شَيء، ‏وألباب السُّوقة مشغولة بما ليس بشيء، والجاهل منهم يعْذر نفسه عندما هو عليه ‏من الوشل‏...

شروط العدالة في الولاة

شروط العدالة في الولاة

يقول أبو عبد الله محمد بن يحيى بن إبراهيم بن عبد الرندي (ت792هـ) في إحدى رسائله التي وجهها إلى السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن المريني: «واعلم يا أمير المؤمنين ــ أن العدالة مشروطة في كل ولاية كائنة من كانت، لا بد للمستولي من الاتصاف بها وهي: أن يكون صادق اللسان، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا للمآثم...

الشريعة الإسلامية حمل على التوسط

 قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي(790هـ): قد يسوغ للمجتهد أن يحمّل نفسه من التكليف ما هو فرق الوسط، بناء على ما تقدم في أحكام الرخص، ولما كان مفتياً بقوله وفعله كان له أن يُخفى ما لعله يُقتدى به فيه فربما اقتدى به فيه مَن لا طاقة له بذلك العمل فينقطع وإن اتفق ظهوره للناس نبّه عليه، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؛ إذ كان قد فاق الناس عبادةً وخلقاً، وكان عليه الصلاة والسلام قدوة؛ فربما اتبع لظهور عمله؛ فكان ينهى عنه في مواضع؛ كنهيه عن الوصال، ومراجعته لعمرو بن العاص في سرد الصوم. وقد قال تعالى:(واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) [الحجرات: الآية 7].