الموطأ وشروحه

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك بن أنس
شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك بن أنس

اعتنى العلماء بكتاب «الموطأ» للإمام مالك منذ تأليفه عناية لا تكاد تحصر، واستمرّت العناية به دون انقطاع على مرّ الزمان وفي مختلف الأصقاع حتى يومنا هذا، ومن شروحه التي شاعت وذاعت في القرون الأخيرة؛ كتاب «أنوار كواكب نهج السالك بمزج موطأ الإمام مالك» لإمام المالكية في عصره العلّامة المحدّث أبي عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزُّرقاني ـ بتشديد الزاي وضمهاـ المالكي الأزهري المصري.

وُلِد الإمام الزرقاني في مصر سنة (1055هـ)، في بَيْتِ علمٍ وفضلٍ وأَدَبٍ، فتَلَقّى تعليمه الأَوَّلي عن والده العلامة الجليل عبد الباقي بن يوسف شارح «مختصر خليل»، وحَرَِص على التحمل على أبرز شيوخ بلده المعروفين؛ منهم الإمام نور الدين علي الشَّبْـرَامَلِّسِي، والحافظ أبي عبد الله محمد بن علاء الدين البَابِلي، والإمام أبي الإرشاد نور الدين الأُجْهُورِي، وغيرهم، فخدم العلم خدمة جليلة ما يقارب سبعا وستين سنة، إلى أن وافته المنية ببلده في مصر سنة (1122هـ). وله ـ رحمه الله ـ آثار غزيرة النفع، جليلة القدر، من أبرزها «شرح المواهب اللدنية»، وعدد من المصنفات الحديثية. على أن أشهرها على الإطلاق هو شرحه على الموطأ الذي تداوله طلبة العلم بالأزهر الشريف واهتموا بقراءته ودرسه، ثم انتشر في عدد من بلدان العالم الإسلامي وأصبح معتمد الفقهاء في شرح أحاديث الموطأ إلى وقت قريب، وبالرجوع إلى مقدمته نجد واضعه العلامة الزرقاني يفصح عن سبب تأليفه فيقول: «لما منّ الله عليّ بقراءة الموطأ بالساحات الأزهرية... كتبت عليه ما أتاحه لي ذو المنة والفضل، وإن لم أكن لذلك ولا لأقلّ منه بأهل؛ لأنّ شروحه وإن كثرت عزّت بحيث لا يوجد منها في بلادنا إلا ما قلّ».

فشرحه هذا أتى ليسد فراغا يجده طلبة العلم ببلده في شرح كتاب الموطأ، وقد افتتحه ـ رحمه الله ـ بمقدّمة أبان فيها عن مقصده من التأليف، ثم أتبعه بترجمة وافية للإمام مالك، وقيمة كتابه «الموطأ» عند أهل الشّأن، واعتنى كثيراً بضبط الغريب وتفسيره، وشرَحَ جميع ألفاظ الكتاب معتمداً على كتب اللّغة والمعاجم، مع الاعتناء بأوجه الإعراب اعتناءً فائقًا، ومزج متن الموطأ بالشّرح على ترتيب الأصل، وهي طريقةٌ مفيدةٌ مسلوكةٌ عند أهل العلم، واعتنى في شرحه بحكاية أقوال العلماء في المسائل الفقهيّة وأوجهِ الخلاف فيها مع بيان أدلّتهم عليها، وغالباً ما يورد أدلّة المالكيّة منافحًا عنها وناقضًا لما قيل فيها من قدحٍ واعتراض، ثم يذكر من تابع الإمام مالكاً سواء متابعةً تامّة أو قاصرة، ويأتي في تخريج الأحاديث بذكر من أخرج الحديث من أصحاب الكتب الستّة وغيرهم، وخاصّة إذا كان الحديث المشروح في الصّحيحين أو أحدهما، وقد اعتنى عنايةً فائقةً بالجمع بين الأحاديث الّتي ظاهرها التّعارض والإشكال، إمّا بأجوبةٍ منقولةٍ عن أهل العلم السّابقين، أو بما أدّاه إليه اجتهاده وفهمه الثّاقب.
وبالنظر في موارده التي استقى منها واعتنى بالنقل عنها نجده يعتمد كتب الحديث المعتمدة كالأمّهات الستّة، ومعاجم الطّبراني، وكتب الدّار قطني، ومستدرك الحاكم، وصحيح ابن حبان، وغيرها من كتب متون الحديث، كما اعتمد رحمه الله على كتب شروح الموطأ والصحيحين فنقل كثيرا عن التّمهيد لابن عبد البرّ، والمنتقي للباجي، وشرح مسلم للنّوويّ، وفتح الباري لابن حجر، وغيرها، فجاء شرحه جامعا ماتعا، غزير الفوائد، لا يسع الأقلام إلا أن تنطق بالثناء عليه؛ قال الكاندهلويّ ـ وهو أيضا من شراح الموطأ ـ: «شرحهُ نفيسٌ أكثره مأخوذٌ من فتح الباري للحافظ...، واستعنت بشرحه رحمه الله في هذا التّعليق كثيراً كأنّه ملخصٌ منه». وقال محمد بن علوي المالكيّ الحسني: «فلا أظنّ أنّني مجانبٌ للواقعِ الصّادقِِ إن قلت: إنّ هذا الشّرح أحسن شروح الموطأ المتوسّطة، مفيدٌ لمن اقتصر عليه، وجيّدٌ لمن رجع إليه»، ويكفي في بيان قيمة هذا الشرح ما سبق الإشارة إليه من كون هذا الكتاب كان مقررا على طلبة العلم في جامع الأزهر لعهد طويل، وقد تمخض عن ذلك ذيوع خبره، وانتشار نُسخه بين الناس، وقد عني العلماء به فوضعوا عليه حواش وتعليقات منها «تعليق» لسلطان المغرب المولى سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي (تـ1238هـ).

طبع هذا الكتاب لأول مرة سنة 1280هـ /1863م، ومازالت طبعاته تتوالى إلى اليوم، ولا تزال بحاجة إلى تحقيق علمي يصل بالكتاب إلى المستوى المأمول.

الكتاب شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك
المؤلف محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المالكي (تـ 1122هـ)
مصادر ترجمته  سلك الدرر للمرادي (4/41-42)، عجائب الآثار، للجبرتي (1/221)، الرسالة المستطرفة، للكتاني (ص191)، فهرس الفهارس، لمحمد عبد الحي الكتاني(1/456-457)
دار النشر : طبع بالقاهرة قديما سنوات 1280هـ /1310هـ/1355هـ/1380هـ، ثم طبع بعد ذلك في بيروت طبعات كثيرة
الثناء على المؤلف قال محمد علوي المالكيّ الحسني: «فلا أظنّ أنّني مجانبٌ للواقعِ الصّادقِِ إن قلت: إنّ هذا الشّرح أحسن شروح الموطأ المتوسّطة، مفيدٌ لمن اقتصر عليه، وجيّدٌ لمن رجع إليه»

 

إنجاز: ذ. نور الدين شوبد



 
2014-11-11 18:05عبدالفتاح محمد مصطفى كلحي

كتاب شرح الزرقاني على المقدمة العزية هل هو مطبوع واين اجده؟

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تفسير غريب الموطأ

تفسير غريب الموطأ

يعد كتاب تفسير غريب الموطأ من أهم الكتب التي خطتها أنامل الشيخ الإمام أبي مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السُّلمِيُّ الأندلسي القرطبي المالكي (ت 238 هـ)، إذ يعتبر من أقدم الشروح على الموطأ وأفضلها وأجملها سواء من الناحية الأدبية أو الفقهية...  

المنتقى في شرح الموطأ

المنتقى في شرح الموطأ

يعتبر كتاب المنتقى لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي (تـ494هـ) من أهم شروح موطأ الإمام مالك وأحسنها تفريعا وأكثرها فائدة، عمّ نفعه بين الناس، وكثُر تداوله بينهم، ولقي قبولا منقطع النظير.

 

المسالك في شرح موطأ مالك

المسالك في شرح موطأ مالك

يعد كتاب «المسالك في شرح موطأ مالك» للقاضي الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت543هـ)، من أحسن الشروح الأندلسية التي وصلتنا لكتاب الموطأ بعد شروح ابن عبد البر وأبي الوليد الباجي.

 

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

القبس في شرح موطأ مالك بن أنس

يعدّ كتاب القبس للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي، الأندلسي الإشبيلي المالكي، الحافظ المشهور، من أنفع شروح الموطأ وأشملها، على كثرتها وتوافرها.
وأهمية «كتاب القبس» وقيمته العلمية تأتي من إمامة واضعه، وجلالة قدره، فهو الإمام، المفسر، المحدث، الفقيه، الأصولي، اللغوي، المؤرخ، وتسمية ابن العربي شرحه هذا بـ«القَبَس»، بفتحتين، ذات معنى ودلالة، فالقبس يعني شعلة من نار يقتبسها الشخص.

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

يعتبر كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لحافظ الأندلس والمغرب الإمام أبي عمر يوسف بن عبد البرّ النمري(ت463هـ) من أشهر وأوسع شروح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي المدني، وأعلاها قدرا، وأغزرها فائدة؛ تجلّت فيه شخصية ابن عبد البر العلمية ومقدرته في فقه الحديث وعلومه، وسعة اطلاعه على آثار السلف وأقوالهم، بل ومعرفته برواة الآثار وأنسابهم وبلدانهم وحالهم من الجرح والتعديل.