نصوص في السيرة النبوية

من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قرن اسمه بذكره

قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي الأندلسي السبتي المعروف بابن دِحْيَةَ الكَلْبِي (ت633هـ) رحمه الله، في كتابه «نهاية السُّول في خصائص الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم» وهو يعدد الخصائص التي خصَّ الله بها نبيَّه محمدا عليه أفضل الصلاة، وأزكى التسليم:
«ومنها ـ أي من خصائصه صلى الله عليه وسلم ـ أن الله تعالى قرن اسم محمد صلى الله عليه وسلم بذكره في ثمانية مواطن:

أولها: في الطاعة؛ قال جل من قائل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾، وقال تعالى: ﴿ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، و ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾، فجمع بينهما بواو العطف المشتركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه، عليه أفضل الصلاة وأشرف التسليم، لحديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لاَ يَقُولَنَّ أحدُكُم ما شاء الله وشاءَ فلانٌ، ولكن ما شاء الله ثم شاء فلانٌ»، وترجَمَ عليه أبو داود: «باب حفظ المنطق»، لأن الحديث الأول كان مذكورا بحرف الواو، وهي تقتضي الجمع دون الترتيب، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يَعْدِلُوا بها إلى حرف «ثم» الذي يقتضي الترتيب مع التراخي(...).

والثاني: في المحبة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمِْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾، ولما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا يريد أن نتخذه حَنَاناً كما اتخذ النصارى عيسى، فأنزل الله عز وجل:﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾، فقرن طاعته بطاعته رغما لهم(...).

والثالث: في المعصية؛ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾.

والرابع: في العِزَّة؛ قوله تعالى: ﴿وَلِلهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ أي الامتناعُ، وجلالةُ القدْرِ، ولعزته عند ربه جلت قدرته.

قال في الصحيحين:«مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ فيهِ فَهُوَ رَدٌّ»، ثم جمع له الأرض فأراه مشارقها ومغاربها، ووهب لأمته ـ لمكانته عنده ـ مُلكَ ما جمع له منها، ثبت في صحيح مسلم، وتفرد به عن ثوبان مولى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ما هذا نصه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ اللهَ زَوَى ليَ الأرضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنَهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ».
ومن أسماء الله تعالى العزيز؛ ومعناه الممتنع الغالب، أو الذي لا نظير له، أو الـمُعِزُّ لغيره، ولا يحل لمسلم أن يتسمى بأسماء الله، فهو أَخْنَعُ اسم عند الله، أن يتسمى الرجل باسم مَلِكِ الأملاك؛ ثبت ذلك عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم .

ومعنى «أخْنَعُ» فيما فسره أبو عمرو الشيباني في صحيح مسلم «أوضَعُ»، وفي رواية في صحيح البخاري: أي أَخْنَى اسم، أي أفحش، والخَنَا الفُحش، وقد يكون بمعنى الهلاك؛ يقال: أَخْنَى عليه: أهلكه(...).

والخامس: في الولاية؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﴾، والولاية إذا كانت بمعنى الوَلاء، جاز فيها الفتح والكسر، ولذلك قراءات القرآن ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَ يَتِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ بفتح الواو، وبكسرها، والوِلاية بكسر الواو الإمارة.

والسادس: في الإجابة؛ قوله تعالى:﴿اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ﴾.

والسابع: في التسمية؛ قوله تعالى:﴿إِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم:﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فسماه باسمين من أسمائه، والرأفة أشد الرحمة وأبلغُها، وخاصية الرأفة أنها لِدَفْعِ المكاره والشدائد، والرحمة : طلب الـمَحَابِّ، ولهذا تقدمت الرأفة على الرحمة.
ومن رأفته صلى الله عليه وسلم أنه رأى أعرابيا يبولُ في المسجد، فصاحَ الناسُ به، فكفَّهم عنه صلى الله عليه وسلم حتى فرغ، فأمر بذَنُوبٍ من ماء، فَصُبَّ على بوله، ثم قال له بلِينٍ من القول:«إِنَّ هَذِهِ المسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ البَوْلِ، وَلاَ القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ»، والحديث ثابت بإجماع، وله طرق في الصحيحين(...).

والثامن: في الرضا؛ قال الله العظيم:﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، فأخبر الله تعالى أنّ حَلِفَهُمْ على طريق الكذب، بدليل قوله:﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾،  فلفظة الجلالة رُفعت بالابتداء، ولفظة ﴿وَرَسُولُهُ﴾ عُطفت عليها، و ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الخبر، فإن قيل: لِمَ جاز رد الضمير الواحد في لفظة:﴿اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، ولم يقل:«يرضوهما»؟ الجواب: أن رضا الرسول رضا الله فتُرك، لأنه دال عليه مع الإيجاز، وكما قال الشاعر:

فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمدِينَةِ رَحْلُهُ *** فإنـي وقـيَّاراً بِـهَا لـغريبُ

أي: فَإِنِّي لَغَرِيبٌ وَقَيَّاراً بِهَا لَغَرِيبٌ، فحذف، والتقدير: وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، ثم اجتزئ بأحد الخبرين عن ألآخر  (...)».

من كتاب نهاية السُّول في خصائص الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم (ص25-30)، للإمام مجد الدين أبي الخطاب ابن دحية، تحقيق مأمون الصاغرجي ومحمد أديب الجادر، نشر دار البشائر، بيروت، ط.1، 1420هـ/1999م، (بتصرف).

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

قال القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت 544هـ):

«ولا خفاء بما يُؤْثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عُرِفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما...

 

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

  اعلم أن أفضـل ما في العـام ليلة مولـده ، حتى من ليلة القـدر التي قال الله فيها: (خير من ألف شهر)[القدر: 3]، والإجـمـاع وقـع على ذلك، وقد نصّ صاحب الـمعيار على أنـها أفضل من ليلـة القدر بنيـف وعشرين وجـهاً.

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

  لاحظت في كتابي «أدب الفقهاء» أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم مما اختص بهم شائخ العلم وأدباء الفقهاء، وأنه بعد شعراء الصحابة الذين عاصروا ظهور الإسلام كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، لم يتعاط أحد من شعراء العربية الكبار في العصر الأموي والعصر العباسي هذا اللون من المدح الذي يعد فنا من فنون الشعر العربي.

مناسبة المولد النبوي

مناسبة المولد النبوي

سُئل الإمام أبو عبد الله بن عبّاد عمّا يقع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم من وقود الشمع وغير ذلك لأجل الفرح والسرور بمولده عليه السلام. فأجاب: الذي يظهر أنّه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكلّ ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك؛ من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر، وتنزّه السمع والنظر، والتزيّن بما حسن من الثياب، وركوب فَارِه الدّواب أمر يباح لا ينكر.

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو القاسم الفيجيجي أن من نظمه هاذين البيتين في نسب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهما:

علقتُ شفيعاً هال عقلي قرانه* كتابٌ مبينٌ كسب لُبّي غرائبه

فذا معشر نفسي كرام خلاصتي* على الفهم منذ نيل مجد عواقبه