نصوص في السيرة النبوية

مناسبة المولد النبوي
مناسبة المولد النبوي

 

 

 

  سُئل الإمام أبو عبد الله بن عبّاد ـ رحمه الله ونفع به ـ عمّا يقع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم من وقود الشمع وغير ذلك لأجل الفرح والسرور بمولده عليه السلام.

  فأجاب: الذي يظهر أنّه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكلّ ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك؛ من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر، وتنزّه السمع والنظر، والتزيّن بما حسن من الثياب، وركوب فَارِه الدّواب أمر يباح لا ينكر، قياسا على غيره من أوقات الفرح، والحكم بأنّ هذه الأشياء لا تسلم من بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سرّ الوجود، وارتفع فيه علم العهود، وتقشّع بسببه ظلام الكفر والجحود، يُنكَر على قائله لأنه مقتٌ وجحود. وادّعاء أنّ هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجان، أمر مستثقل تشمئزُّ منه النفوس السليمة، وتردّه الآراء المستقيمة. انتهى

  قال بعض الفضلاء: فكلام هذا الولي يدلّ على كمال محبّته وحسن طريقته، وما أنكر من أنكر ما يقع في هذا الزمان من الاجتماع في المكاتب للأطفال، إلاّ خيفة المناكر، واختلاط النساء والرجال، فإذا أُمن ذلك فلا شكّ في حسن ما يُفعل من الاجتماع وذكر محاسنه، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلّم في سائر البقاع، ويحرم استعمال آلة اللهو عند الاجتماع في هذه الليلة، ولايجوز تعظيم نبي الله تعالى إلاّ بما يرضيه ويرضي الله تعالى، بل تنبغي الصّدقة في السرّ بما يعمل في تلك الأيام من الأطعمة، فإنّ ذلك أسلم من فساد النيات، ومن حضور الجماعات.

  واختار جماعة من العلماء ـ رضي الله عنهم ـ الفطر في يوم المولد لأنّه سرور، والتّوسيع على العيال بما أمكن من الميسور. وذكر ابن عبّاد ـ رحمه الله ونفع به ـ أنّه خرج في يوم ميلاده عليه السلام إلى خارج البلاد، فوجد الوليّ الصالح الحاج ابن عاشر رحمه الله مع جماعة من أصحابه، فاستدعوه لأكل الطعام، قال: فاعتذرت بأنّي صائم، فنظر إليّ الشيخ نظرة مُنكرة، وقال لي: إنّ هذا اليوم يوم فرح وسرور، فلا يستقيم فيه صيام لأنّه يوم عيد.

  قال ـ رحمه الله ـ : فتأمّلت كلامه فوجدته حقا، وكأنّي كنت نائماً فأيقضني.
  قال ابن مرزوق في «جنا الجنتين في شرف الليلتين»: سمعت شيخنا الإمام أبا موسى بن الإمام ـ رحمة الله عليه ـ وغيره من مشيخة المغرب يحدّثون فيما أُحدِثَ في ليالي المولد في المغرب، وما وضعه العزفي في ذلك، واختاره وتبعه في ذلك ولده الفقيه أبو القاسم وَهْماً عن الأئمة، فاستصوبوه واستحسنوا ما قصده فيها والقيام بها، وقد كان نُقل عن بعض علماء المغرب إنكاره، والأظهر في ذلك عندي ما قاله بعض الفضلاء من علماء المغرب أيضا وقد وقع الكلام في ذلك فقال ما معناه: لاشك أنّ المسلك الذي سلكه العزفي مسلك حسن، إلا أن المستعمَل في هذه الليلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم، والقيام بإحياء سنّته، ومعونة آله، ومساهمتهم وتعظيم حرمتهم، والاستكثار من الصدقة وأعمال البرّ، وإغاثة الملهوف، وفكّ العاني، ونصر المظلوم، هو أفضل مما سوى ذلك مما أُحدث، إذ لا يخلو من مزاحم في النيّة، أو مفسد للعمل، أو دخول الشهوة، وطريق الحقّ معروف، ولا أفضل في هذه الليلة مما ذكرناه من أعمال البرّ والتكثير من الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلّم ليحظى المستكثر منها ببعض ما ورد في فضلها.

  «كتاب المعيار المعرب، والجامع المغرب، عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب»، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (تـ914هـ)، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب (1401هـ/1981م)، (11/278-280).

 

انتقاء: ذ.نور الدين شوبد



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

من أدبه صلى الله عليه وسلم مع المخالفين

قال القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت 544هـ):

«ولا خفاء بما يُؤْثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عُرِفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما...

 

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

  اعلم أن أفضـل ما في العـام ليلة مولـده ، حتى من ليلة القـدر التي قال الله فيها: (خير من ألف شهر)[القدر: 3]، والإجـمـاع وقـع على ذلك، وقد نصّ صاحب الـمعيار على أنـها أفضل من ليلـة القدر بنيـف وعشرين وجـهاً.

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

من أروع الشعر: أنجم السياسة وقصائد أخرى

  لاحظت في كتابي «أدب الفقهاء» أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم مما اختص بهم شائخ العلم وأدباء الفقهاء، وأنه بعد شعراء الصحابة الذين عاصروا ظهور الإسلام كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، لم يتعاط أحد من شعراء العربية الكبار في العصر الأموي والعصر العباسي هذا اللون من المدح الذي يعد فنا من فنون الشعر العربي.

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو القاسم الفيجيجي أن من نظمه هاذين البيتين في نسب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهما:

علقتُ شفيعاً هال عقلي قرانه* كتابٌ مبينٌ كسب لُبّي غرائبه

فذا معشر نفسي كرام خلاصتي* على الفهم منذ نيل مجد عواقبه

تعظيم العليّ الأعلى لقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا

تعظيم العليّ الأعلى لقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا

قال الفقيه القاضي الإمام أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي رحمه الله في كتابه الماتع: الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم (ص1/45): «لا خَفَاء على من مارس شيئا من العلم، أو خُصَّ بأدنى لمحة من الفهم، بتعظيم الله قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام،...