الرسالة وشروحها

تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة
تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة

حظيت رسالة ابن أبي زيد القيرواني بكبير عناية واهتمام من لدن علماء المذهب المالكي قديماً وحديثاً، فكان الاشتغال عليها نظماً وشرحاً وتقييداً، ويعد كتاب:«نظائر الرسالة» لابن غازي المكناسي (ت919هـ) أهم عمل علمي خدم الرسالة؛ إذ نظم فيه صاحبه جميع ما أشكل من المسائل في رسالة ابن أبي زيد على بحر الرجز، في أوجز عبارة وأدقّ لفظ، تيسييراً على طلاب العلم في حفظها، وبيانها، واستيعابها.

ولأهمية هذا النظم وقيمته العلمية، انبرى لشرحه وبيانه الفقيه العلامة النظار الأبرع أبو عبد الله شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني، المعروف بالحطاب(ت954هـ)، من أسرة الرعينيين العلمية ذات الأصل الأندلسي، في كتاب سمّاه:«تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة»، ويكتسي الكتاب أهميته من حيث كونه أخذ مكانة مرموقة بين تراث الحطاب بخاصة، وتراث الفقه المالكي بوجه عام، فمحرره عُدّ خاتمة أئمة المذهب في وقته، وشُهد له بعلو الرواية، ورسوخ الدراية بأصول الفقه المالكي ودقائقه، وسعة الإحاطة بنصوصه، واستيعاب أقوال أئمة المذهب من عهد الإمام مالك إلى وقته.

وبخصوص سبب تأليف الكتاب، ذكر الحطاب في مقدمته أنه لما وقف على نظم ابن غازي وجده جمع فيه فوائد شريفة، ونبّه فيه على نكت لطيفة، لكنه قصد الإشارة والرمز، بحيث لا يفهمه إلا من كانت له ممارسة ودربة مع رسالة ابن أبي زيد، لهذا سعى الحطاب إلى بيان هذه الرموز التي أشار إليها ابن غازي، وكذا معانيه التي قصدها، لينتفع به كل من رآه أو حفظه.

ومن خلال محتوى الكتاب يظهر الجهد الذي بذله الإمام الحطاب في توضيح كل مسألة أو نظير من نظائر الرسالة: شرحاً وبياناً، أو مقابلةً واستيعاباً، أو نقداً واستدراكاً، وقد اشتمل كتاب نظم النظائر وشرحه على مقدمة وسبعة عشر باباًً، ذكر ابن غازي في نظمه منها أربعة عشر، منها على سبيل التمثيل:«المسائل المشكلة»، و«المسائل التي ضعف فيها الشيخ ابن أبي زيد قول ابن القاسم العتقي»، و«ذكر الظن»، و«المسائل التي قال فيها مالك بالاستحسان»، و«شروط الصيد»، وغيرها، وزاد الحطاب عليها ثلاثة مسائل نظمها وشرحها، وهي:«المسائل التي خالف ابن أبي زيد فيها المشهور»، و«المسائل التي أطلق فيها الشيخ الخلاف ولم يبين الراجح»، و«المسائل التي استعمل فيها الشيخ: أو مكان قيل»، وكان مجموع ما أضافه الإمام الحطاب واستدركه إحدى وستين مسألة من دقيق مسائل الفقه المالكي، حرّر فيها ألفاظ المصطلح، وعرض مواضيع الخلاف فيها بين الأئمة، وذكر المعتمد منها في المذهب، أو المشهور من أقوال أئمته.

وقد سعى الفقيه الحطاب إلى أن ييسّر هذه المنظومة لطلاب العلم، فبسط مجملها، وأوضح مبهمها، وسعى إلى حل الرموز التي أشار إليها الناظم، وبيان النكت الفقهية اللطيفة المبثوثة في النظم، كما أنه لم يغفل التحقيق في النظائر ومشكلاتها، واستقصاء ما فيها من أقوال الأئمة في أمهات كتب المذهب المالكي، ابتداءً من الموطأ والمدونة، إلى الشروح الكبرى المعروفة لرسالة ابن أبي زيد، وكذا تقديم الشواهد من نصوصها، ثم إنه استدرك على ابن غازي ما فاته من نظائر في الرسالة، ونبّه على مواضع الإطلاق فيها حيث ينبغي التقييد، وأخرى من مسائل الخلاف، لم يذكر فيها المعتمد في المذهب أو المشهور من أقوال الأئمة.

وبالجملة فحُقّ لنا أن نقدر عمله حق قدره؛ إذ جاء إكمالا لما قدّمه ابن غازي، وابن أبي زيد قبله، مع تيسّر الانتفاع به، وتقريب تناوله.

ومما يشهد بسعة اطلاع مؤلفه كثرة المصادر التي نهل منها وضمّنها شرحه، مع صغر حجم الكتاب، فنجده ينقل عن الإمام مالك وتلامذته من أمثال ابن القاسم، وابن وهب، وكذا عن معظم -إن لم نقل جل- ما وقف عليه من أقوال أئمة المذهب كابن حبيب، والقاضي عبد الوهاب، وابن العربي، وعياض، وابن الحاجب، وابن عبد السلام، وخليل، وابن الفاكهاني، والجزولي، وابن عرفة، وابن ناجي، والأنفاسي، وغيرهم من المتأخرين، ومن عاصره من شيوخه.

ومما يدل على أهمية هذا الشرح الذي وضعه الحطاب، كثرة نسخه التي بلغت فقط في الخزائن المغربية العامرة ما يفوق عشرين نسخة مخطوطة، فالكتاب كان متداولاً بين الفقهاء فيما بين عصر المؤلف والعصر الحاضر، وشهرته وصلت إلى ما يشبه الاستفاضة.

وقد صدر الكتاب عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، عام 1409هـ/1988م، بتحقيق د. أحمد سحنون.

الكتاب تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة
المؤلف أبو عبد الله شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمان الرعيني المعروف بالحطاب (ت954هـ)
مصادر ترجمته  نيل الابتهاج:(592-594)، توشيح الديباج:(229-231)، درة الحجال:(2/188- 189)
دار النشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1409هـ/1988م، تحقيق د. أحمد سحنون
الثناء على المؤلف قال التنبكتي: كان من سادات العلماء، وسراتهم، جامعا فنون العلم، متقنا، محصلا، متفننا، نقادا، عارفا، بالتفسير ووجوهه، محققا في الفقه وأصوله، عارفا بمسائله، مقتدرا على استنباطه، يقيس على المنصوص غيره

 

إنجاز: د. طارق طاطمي



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني

حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني

 نالت رسالة ابن أبي زيد القيرواني اهتماما بالغا عند علماء المذهب المالكي، لذا شرحوها وعلَّقوا عليها ونظموها، وجاء بعض متأخريهم فاطلع على بعض تلك الشروح، فرأى أنها في حاجة إلى تبيين بعض ما فيها من غموض، أو توجيه معنى، أو ضبط كلمة، ومن بين هؤلاء الذين اعتنوا بأحد شروحها العلامة: أبو الحسن علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي المالكي.

تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة

تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة

يندرج كتاب تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة ضمن الشروح الجليلة على كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ويتميز هذا الشرح تبعاً لأصله بمعالجة موضوعات مهمة وأبواب فقهية متنوعة مفيدة، وهو يتميز أيضاً ببيانه وجوه إفادات النص والدليل من اللغة والبيان والأصول.

مُرشد المبتدئين إلى معرفة معاني ألفاظ الرسالة لأبي محمد الكرامي تـ882هـ

مُرشد المبتدئين إلى معرفة معاني ألفاظ الرسالة لأبي محمد الكرامي تـ882هـ

كتاب (مرشد المبتدئين إلى معرفة معاني ألفاظ الرسالة)، لأبي محمد سعيد بن سُليمان بن سعيد الكُرَّامِي–بالكاف المعقودة-السَّمْلَالي الـجَزُولِـي(ت882هـ)، من أوسع الشّروح السّوسية مادة، وأغزرها فائدة ونُكَتا، تصدّى فيه صاحبه لشرح كتاب رسالة ابن أبي زيد، الذي يُعَدُّ من أعتق المصادر المعتمد عليها عند جمهور فقهاء المذهب المالكي شرقا وغربا،..

كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني

كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني

  كفاية الطالب الرباني تعليق لطيف لخّصه أبو الحسن الشاذلي(ت939هـ) من شرحيه الوسط والكبير، تلخيصاً حسناً، مجتنباً فيه التطويل الممل والاختصار المخل؛ لينتفع به ـ إن شاء الله تعالى ـ المبتدي لقراءتها والمنتهي لـمطالعتها.

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لابن ناجي القيرواني

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لابن ناجي القيرواني

تعتبر رسالة أبي محمد ابن أبي زيد القيرواني أفضل ما ألف في الفقه المالكي للمبتدئين، بل تعتبر أحسن متن ألف في الفقه المالكي على الإطلاق، من حيث السهولة واليسر والاستيعاب والضبط، وحسن السبك عبارة وإشارة.