كتب القضاء

الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام
الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام

الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام

تعد منظومة تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام، المسماة بالعاصمية للإمام العالم المجاهد أبي بكر محمد بن محمد ابن عاصم الغرناطي (ت 829هـ)، من أجلّ وأبرز ما ألف في علم الوثائق والإبرام؛ لسلامة نظمها، ووجازة لفظها، ولكونها قد اجتمع فيها ما افترق في غيرها، ولأهميتها اشتغل عليها أهل العلم بالشرح والبيان، وإزالة اللبس والإبهام، فوضعت عليها شروح عديدة من لدن المغاربة والمشارقة.

وشكل كتاب الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام للإمام محمد بن أحمد ميارة الفاسي (ت 1072هـ) أهم وأبرز وأجود الشروح التي وضعت على العاصمية، إذ أتى فيه على جميع أبيات المنظومة – التي بلغت1668 بيتا-، شرحا وتفصيلا، وبيانا وتعليلا، مستفيدا في ذلك مما سبقه من شروح، ومما حصّله من علوم وفنون؛ فهو الإمام، العلامة، الفقيه، النوازلي، المالكي، حامل لواء المذهب: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الفاسي، المشهور بميارة الكبير، صاحب التآليف العديدة في الفقه المالكي.

وقد ألف كتابه هذا استجابة لطلب من بعض أصحابه، ممن عاين واطلع على تقييداته وحواشييه التي وضعها على ما سبقه من شروح لمتن العاصمية، فقبل الطلب، ووضع الشرح، وأبرز فيه ما جمعه من نكت وتحريرات.

وافتتح الشيخ ميارة الكبير شرحه بمقدمة- ينسبها العلامة محمد الصغير الإفراني في كتابه صفوة من انتشر إلى تلميذه أبي سالم العياشي-، مهّد فيها لأهمية علم أحكام القضاء، واهتمام العلماء به، وامتدح فيها منظومة ابن عاصم الغرناطي، واعتبرها من أجل ما وضع في هذا العلم من المختصرات، وذكر ما نسج حولها من شروح بدءا بشرح أبي يحيى ابن عاصم ولد صاحب المنظومة، ومرورا بشرح أبي العباس اليرتاسني التلمساني، وانتهاءا بشرح لأحد أئمة المالكية بمصر، وكل هذه الشروح كما يقول: أغفلت عن حل مقفلات العاصمية، ولم تشف غليلاً في النقل، ولم تبرئ عليلاً من داء الجهل، فلذلك وضع شرحه اعتمادا على ما نكته وحرره حول هذه الشروح، فتناول فيه جميع أبيات العاصمية بالشرح والتعليل، وقسمه إلى سبعة عشر بابا: بدأه بباب القضاء وما يتعلق به، وختمه بباب التوارث والفرائض، وتحت كل باب جملة من الفصول.

واستوفى الشيخ ميارة معاني الأبيات بالشرح والبيان، مع اقتصاد في العبارة؛ فلم يكن شرحه بالطويل الممل، ولا بالمختصر المخل، ولم يتوان في عرض الأدلة المعضدة لنظم ابن عاصم، مع طغيان الطابع النقلي على هذه الأدلة، وسعى في منهجه إلى إيراد كل ما يحتاجه الناظر من النقل، من إيراد لكلام الله عز وجل، وأقوال رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا اقتضاهما المقام، إلى عرض لأغلب أقوال أئمة المذهب المالكي، وغيرهم، من أصولها المحررة بدءا من أقوال مالك وتلاميذه، مرورا بفطاحل المذهب أمثال: ابن رشد، واللخمي، والباجي، وابن العربي، وخليل، وابن الحاجب، وغيرهما، انتهاءا بمعاصريه وخاصة شيوخه الذين أخذ عنهم، هذا ولم يغفل الشيخ ميارة أن يعتني بالمعقول من الأدلة، وشرح المصطلحات الفقهية والأصولية، مثل القضاء، والنكاح، والوكالة، والضمان، والركن، والشرط، وغير ذلك من المصطلحات، وكذا إيراد القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية، ليستعين بها المناظر، اعتبارا للمقام الذي يشرحه، فالمنظومة العاصمية منظومة أحكام وقواعد.

واعتمد الشارح في عرض مادته على أسلوب موحد واضح، استفاد فيه ممن سبقه من شراح العاصمية، فتجنب التكلف، وتوخى من خلاله تبيين العبارة حتى يتضح معناها للعقل، فهو يذيل شرحه لكل بيتين أو ثلاثة، غالباً بفوائد وتنبيهات وتحقيقات مفيدة، ولعل الشيخ ميارة أدرك قيمة شرحه حينما اعتبره:«شرحاً بمقصود طالبه وافياً، وبسهم صائب في مؤلفات الفقه رامياً».

أما عن مصادر الشيخ في إيراد مادة كتابه، فيمكن القول أنه صال وجال في معظم المصادر الفقهية المالكية، بل وتعداها إلى المذاهب الأخرى، وخاصة الشافعية، واعتنى بإيراد أقوال الإمام مالك، وكبار أئمة مذهبه كابن القاسم، وابن حبيب، وابن عبد الحكم، واللخمي، وابن رشد، وابن أبي زمنين، وابن شاس، وخليل، وابن الحاجب، والعز ابن عبد السلام، وغيرهم، مما يفسر كثرة النقول الواردة في الكتاب.

ومما يوضح أهمية هذا الكتاب احتفاء العلماء به ونهلهم منه، إذ نقف على نقول منه في  مؤلفات مالكية عديدة، منها: حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني لعلي العدوي (ت 1189 هـ)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير لمحمد الدسوقي (ت 1230 هـ)، والبهجة في شرح التحفة لأبي الحسن علي التسولي (ت 1258 هـ)، ومنح الجليل لمحمد عليش (ت 1299 هـ)، وغيرها، كما اعتنى به أهل العلم من جهة التأليف عليه، فوضعت عليه حواشي، منها حاشية قاضي فاس العلامة أبو علي الحسن بن رحال التدلاوي (ت 1140 هـ)، وحاشية الفقيه المفسر أبو عبد الله محمد بن الحسن الجنوي الحسني (ت1200هـ).

طبع الكتاب عن دار الفكر في مجلدين، الطبعة الأولى، وله عدة طبعات أخرى، منها طبعة المكتبة التجارية بمصر، وطبعة دار المعرفة- بيروت، وطبعة دار الكتب العلمية- بيروت.

 

الكتاب الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام
المؤلف أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة الفاسي (ت 1072هـ)
مصادر ترجمته  نشر المثاني: (2/120-121)، صفوة من انتشر: (250-251)، سلوة الأفاس: (1/165)
دار النشر دار الفكر- بيروت، الطبعة الأولى
الثناء على المؤلف قال الصغير الإفراني: كان رحمه الله من أوعية العلم، ومن المتفقهين في علم الأحكام، مستحضرا للنقول الغريبة، وذاكرا للنوازل البعيدة والقريبة

إنجاز: د. طارق طاطمي



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

شرح ابن الناظم لتحفة الحكام لابن عاصم

شرح ابن الناظم لتحفة الحكام لابن عاصم

  تُعتبر منظومة: تحفة الـحُكَّام في نكت العقود والأحكام، للإمام أبي بكر محمد بن محمد بن ‏محمد بن محمد بن عاصم القيسي الأندلسي الغرناطي(ت 829هـ)، من الأراجيز العلمية ‏التي احتفل بها علماء الغرب الإسلامي حفظا وتدريسا وشرحا؛ لاشتمالها على جميع أبواب ‏فقه القضاء وما يتعلق به‎ ‎‏ من أحكام ونوازل، إضافة إلى ما كنزته من فوائد وغُرَر عزّت في ‏نظيراتها.‏

أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن الطلاع تـ497هـ

أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن الطلاع تـ497هـ

 يعد كتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، للإمام الفقيه المشاوَر أبي عبد الله محمد بن فرج القرطبي المالكي المعروف بابن الطّلاَّع(ت497هـ) من المصادر التي اعتنت بمعالجة أمر القضاء في الإسلام، وبيان عظم شأنه.

التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين

التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين

يندرج كتاب «التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين»، ضمن الكتب المؤلفة في القضاء، بل هو من المؤلفات الفريدة في بابه، ومؤلفه أحد أعلام القرن الهجري الثامن، وهو أبو زكرياء يحيى بن محمد بن الوليد الشِّبلي، وقد ضَنَّت المصادر بذكر ترجمته وأخباره فلم نظفر من ذلك بشيء، إلا أنه وُصف في ديباجة إحدى النسخ الخطية للكتاب بالشيخ الفقيه الإمام العالم، وفي أخرى بزيادة:«الحافظ المحقق الذَّكي»، وهذه التحلية تدل على أنه تبوأ مكانة علمية كبيرة في زمانه.

الأحكام لعبد الملك بن حبيب تـ238هـ

الأحكام لعبد الملك بن حبيب تـ238هـ

  كتاب: الأحكام للعلامة عبد الملك بن حبيب الأندلسي، من أوائل الكتب التي ألفت في الأحكام، المنضوية تحت كتب القضاء، وما يجري به عمل القضاة والحكام والمفتين، إن أمكن اعتباره أوَّلَ ما أُلِّفَ استقلالا في هذا الباب.

المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام

المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام

 يُعتبر كتاب: المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام، للعلامة أبي الوليد هشام بن عبد الله بن هشام، الأزدي، القرطبي، المالكي(ت606هـ)، من كتب مسائل الأحكام المندرجة تحت مؤلفات كتب القضاء، التي سطرتها يد عدد من علماء السادة المالكية، دبّجوها لإفادة القضاة فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام، ولغيرهم ممن يأتي بعدهم من أهل العلم.