نصوص في العلم وبيان فضله

مناهج العلماء في تدريس المدونة
مناهج العلماء في تدريس المدونة

لأبي الحسن علي بن سعيد الركراكي (من كبار فقهاء القرن السابع الهجري)

قال العلامة أبو الحسن علي بن سعيد الركراكي في مقدمة كتابه مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها: «وقد كان للقدماء، رحمة الله عليهم، في تدريس «المدونة» اصطلاحان : اصطلاح عراقي، واصطلاح قروي.

فالاصطلاح العراقي جعلوا مسائل«المدونة» كالأساس ، وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس، ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل، برسم الجدليين، وأهل النظر من الأصوليين .

وأما الاصطلاح القروي: فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، والتحرز عما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكتاب من اضطراب الجوابات، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع سياق الآثار، وترتيب أسانيد الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع من السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها.

فهذه سيرة القوم التي عليها درجوا رضوان الله عليهم، ثم نجم بعدهم طوائف في أقصى المغرب، ضلوا عن جادة الطريق، وتنكبوا عن مسالك التحقيق، وهجموا على أكبر يَمٍّ، وركبوا لجج البحر دون سفين، فوجدوا فَلاة بغير دليل، ولا اهتدوا بسلوك السبيل، فاقتحموا على تدريس المدونة بغير إجازة من شيخ، ولا تحقيق من شرح حتى إن من سلك منهم نزرا حقيرا، وقدرا يسيرا بفرض وانتصب، وتعب ونصب نفسه إلى معرفة أسرارها، واستخراج مكنونها. وسبب ذلك أن أبواب الدواعي للخائض مفتوحة، وسياط التحسب عن متعاطيها مطروحة فلله در القائل: لقد هَزُلت حتى بدا من هُزَالها كِلاَهَا ورخصت حتى سَامَهَا كُلُّ مُفْلِسِ فهؤلاء القوم انقسموا في تدريسها على طوائف: فطائفة أعرضت وفرطت وقصرت، وطائفة أعدلت وقصدت وتوسطت.

فأما الطائفة المعرضة: فقد أعرضت عن الكتاب، ولم تفهم معنى السؤال منه والجواب، بل اعتمدت على مطالعة كتب المتأخرين كتبصرة اللخمي، والجامع لابن يونس، وقدموا قراءة الشرح على المشروح، فكفى بهذا الوصف تبيانا لفساد وضعهم في السلوك حتى إن الجاهد منهم ومن يشار إليه بالبنان بالتبحر في الفقه، وفصاحة اللسان يساهر النجوم، ويساور الوجوم في مطالعة الأمهات يرتب وينسخ بعض كلامه على بعض، ويذهب ويزخرف ألفاظه، ويموه كلامه، ويطول أنفاسه حتى يذهب عامة النهار في الدرس في الكلام الفارغ منه، ويسمع النقل من «العتبية» و«الموازية».

ولا ذكر هناك لمعاني المدونة وهم في درسها ـ على زعمهم ـ فإذا خرج آخرهم من الدرس انحل الترتيب، واختل ذلك التمويه حتى لا يعقل منها على رواية، فهذه عادته طول العمر يقطع المدونة طالعا ونازلا، والإشكال فيها كما كان، ولا جرم [أن] تلاميذهم كوادنُ، وهم حشو المدارس، ولا حسنة تزداد ولا سيئة تمحى، فالعياذ بالله من الخذلان. فإذا كانت سيرة الفحول من هذه الطائفة على هذا النعت، فكيف حال الخصيان المتشبهين بالإناث ومن بضاعته في هذا الفن مزجاة فتعجب من ضلاله المسكين يعول على النقل من الأمهات والدرس للروايات، ولم يميز منها بين الضعيف والمتين، ولا يفرق بين الغث والسمين، ويدعي أنه اقتفى أثر المشايخ المتقدمين، وهذه تصانيف المحققين الموافقين تحقيق ما أطلقه القدماء، وخصوص ما عممه العلماء ككتاب «الوجيز» لأبي القاسم بن محرز، وكتاب «التنبيه» لأبي الفضل العياضي، وكتاب «الكشف عن أسرار المدونة» لأبي محمد عبد الحميد السوسي، وكتاب «الشرح» لابن لبابة الصغير، وأكثر تصانيف أبي عمران الفاسي قدس الله أرواحهم، في الخوض على تصانيف المدونة، واستقراء الأحكام منها ينادي على المعول على مجرد النقل بالويل والثبور، ومن لم يجعل الله نورا فماله من نور.

وأما الطائفة المفرطة: فقد راغموا الدليل، وسدوا باب التأويل، واتبعوا ظواهر الكتاب، واقتنعوا بالقشور عن اللباب، وركنوا إلى الدعة والراحة، ولم يتعبوا الذهن والقريحة وهم ظاهرية المذهب. وهذه الطائفة أبخس من الأولى وأقل منها توفيقا، وأكثرها ماء، وأقل دقيقا، لأنهم خلطوا المذهب، وأفسدوا أذهان المتعلمين، وجمعوا بين مفترق وفرقوا بين مجتمعين تحكما بغير بيان، وتعسفا عريا عن البرهان، وتخرصا على صاحب الكتاب بأن ذلك مرامه بالخطاب، فباؤوا بإثم عظيم، واستحقوا بذلك العذاب الأليم، إلا أن يعفو الجواد الكريم.

وأما الطائفة المتوسطة المعتدلة: فهي الطائفة الموفقة إلى ما ضلت عنه الطائفتان، وعميت عنه بصائر الفريقين، وهي أقوم قيلا، وأهدى إلى الحق سبيلا، وأهلها على ما كان عليه قدماء الأصحاب من مغاربة المذهب فبصاعهم كالوا، وعلى منوالهم نسجوا في استعمال ظواهر الكتاب وبواطنه، واستنباط الفوائد الكامنة في فرائد ألفاظه، واستنزال الدر النفيس من أهدابه، واستنزال المعنى الرائق من مخزن أوعاره، وهذه الطائفة في المغرب الأقصى أقل وجودا في هذا الزمان من الغراب الأعصم».

المصدر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها، لأبي الحسن علي بن سعيد الركراكي، تحقيق: أبو الفضل الدمياطي، نشر مركز التراث الثقافي المغربي بالدار البيضاء، ودار بن حزم ببيروت، الطبعة الأولى 1428هـ/2007م.

وأورد المقري هذا النص في أزهار الرياض (3/21ـ 26)، مع زيادات عليه، وتوضيحات مفيدة.

إعداد: ذ. جمال القديم



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الفرق بين أهل العلم والجهل

الفرق بين أهل العلم والجهل

  لا آفةَ على العُلوم وأهلِها أضرَّ من الدُّخَلاء فيها وهم منْ غيْر أهْلها، فإنَّهم يجهَلون ويَظُنُّون أنَّهم يعْلمون، ويُفْسدون ويُقَدِّرون أنَّهم يُصْلِحون.

أدب حضور مجالس العلم

أدب حضور مجالس العلم

 إذا حضرتَ مجلس علم، فلا يكن حضورك إلا حضور مُستزيد علماً وأجراً، لا حضور مستغنٍ بما عندكَ، طالبا عثرةً تُشِيعها، أو غريبةً تُشَنّعها...

إنما يؤتي الناس من قبل المتعالمين

إنما يؤتي الناس من قبل المتعالمين

 فإنما يؤتى الناس من قبل جُهَّالهم الذين يحسِبون أنهم علَماء، وإذا كان كذلك فاجْتِهادُ مَن اجْتَهد مِنْهم، مَنْهي عَنْه إذْ لمْ يستكمل شُروط الاجْتهاد...

صفةُ من يؤخذ عنه العلم

صفةُ من يؤخذ عنه العلم

واطلب هُديت العلْمَ بالوقَار   ...  واعْقِد بأن تطلُبه للبَاري

فإن رغبت العَرض للحرُوف  ...  والضَّبط للصَّحيح والمعْروف

فاقْصد شُيوخ العلْم والرِّواية  ...  ومن سما بالفَهْم والدِّراية

التعلّم على الكِبَر

التعلّم على الكِبَر

 من آداب المتعلم: أن لا يستنكف عن التعلم ممن هو أكبر منه علما، وأصغر منه سِنا، أو ‏يستحيي أن يتعلم بعد الكبر، فمِن خُدَع الجهل استحياء الإنسان أن يتعلم في كبره‏.