نصوص في الفقه وأصوله

صيام يوم عاشوراء
صيام يوم عاشوراء

 

 

 

جاء في كتاب الاستذكار لابن عبد البر النمري(ت463هـ) في باب صيام يوم عاشوراء، ما نصه:

  - مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.

  - وذكر عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حجّ وهو على المنبر يقول: يا أهل المدينة! أين علماؤكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء ولم يُكْتَب عليكم صيامه، وأنا صائمٌ فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر.

قال أبو عمر: لا يختلف العلماء أن يوم عاشوراء ليس بفرضٍ صيامه.

وفي هذا الحديث دليل على فضل صوم يوم عاشوراء؛ لأنه لم يخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بندبه أمته إلى صيامه وإرشادهم إلى ذلك وإخباره إياهم بأنه صائم له ليقتدوا به، إلا لفضل فيه وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة.

وقوله: فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطر، فإنها إباحة وردت بعد وجوب، وذلك أن طائفة من العلماء قالوا: إن صوم يوم عاشوراء كان فرضاً ثم نسخ بشهر رمضان، فلهذا ما أخبرهم بهذا الكتاب.

واحتجوا بحديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل في رمضان. الحديث.

  - وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى الحارث بن هشام: «أن غدا يوم عاشوراء فصم، وأمر أهلك أن يصوموا».

... وروى سعيد بن جبير عن بن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد يهود تصوم يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: يوم نجى الله فيه موسى وأغرق فرعون، فنحن نصومه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه.

ولما فرض رمضان صام رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الفضيلة والتبرك، وأمر بصيامه على ذلك، وأخبر بفضل صومه وفعل ذلك بعده أصحابه.

  - ذكر مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى الحارث بن هشام: إن غدا يوم عاشوراء فصم وأمر أهلك أن يصوموا.

وذكر عبد الرزاق عن بن جريج عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه أخبره أن عمر بن الخطاب أرسل إلى عبد الرحمن بن الحارث ليلة عاشوراء: أن تسحر لتصبح صائما فأصبح عبد الرحمن صائما.

هكذا قال أرسل إلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهذا حديث متصل وهو عندي أصح من بلاغ مالك والله أعلم.

وروي عن علي مثل ذلك؛ حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا بن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي أنه كان يأمر بالصيام يوم عاشوراء.

وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا بن وضاح قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن يزيد قال سمعت بن عباس يقول: ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم يوم فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء.

ومن حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صيام يوم عاشوراء يكفر سنة.

والدليل على تأكيد صومه على جهة الفضل لا على الفرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: أذن في قومك يوم عاشوراء أن يصوموا، ومن أكل منهم فليصم بقية يومه.

أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المنهال قال حدثنا زيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة، عن محمد أن أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه.

وهذا عندي يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يفرض رمضان؛ إذ كان عاشوراء يصام على الوجوب، ويحتمل أن يكون ذلك لفضله تأكيداً في التقرب بصومه والله أعلم.

وهو حديث مختلف فيه على قتادة، فسعيد يقول عبد الرحمن بن سلمة، أو سلمة عن عمه وشعبة يقول عن قتادة عن عبد الرحمن بن المنهال الخزاعي، عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسلم يوم عاشوراء: صوموا اليوم، قالوا: إنا قد أكلنا، قال: صوموا بقية يومكم.

 واختلف العلماء في يوم عاشوراء:

فقالت طائفة: هو اليوم العاشر من المحرم، وممن روي ذلك عنه سعيد بن المسيب والحسن البصري.

وقال آخرون: هو اليوم التاسع منه، واحتجوا بحديث الحكم بن الأعرج قال: أتيت بن عباس في المسجد الحرام، فسألته عن صيام يوم عاشوراء، فقال: اغد فإذا أصبحت اليوم التاسع فأصبح صائما، قلت: كذلك كان محمد يصوم؟ قلت: نعم صلى الله عليه وسلم.

وقد روي عن ابن عباس القولان جميعا.

وقال قوم من أهل العلم: من أحب صيام يوم عاشوراء صام التاسع والعاشر.

وأظن ذلك احتياطاً منهم، وممن روي عنه ذلك بن عباس أيضا وأبو رافع صاحب أبي هريرة وابن سيرين وقاله الشافعي وأحمد وإسحاق.

وروى القطان عن بن أبي ذئب عن شعبة مولى بن عباس قال: كان ابن عباس يصوم يوم عاشوراء في السفر، ويوالي بين اليومين مخافة أن يفوته، وكان ابن سيرين يصوم العاشر فيبلغه أن ابن عباس كان يصوم التاسع والعاشر، فكان ابن سيرين يصوم التاسع والعاشر.

وروى بن جريج عن عطاء أنه سمع بن عباس يقول: خالفوا اليهود، صوموا التاسع والعاشر.

وقال معقل بن يسار وبن عباس: عاشوراء اليوم التاسع، ولكنه اسمه العاشوراء.

وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب أن إسماعيل بن أمية حدثه أنه سمع أبا غطفان يقول: سمعت بن عباس يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام القابل صمنا التاسع، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال صاحب العين: عاشوراء اليوم العاشر من المحرم. قال: ويقال اليوم التاسع.

وروي عن بن شهاب أنه كان يصوم يوم عاشوراء في السفر، وكان يأمر بفطر رمضان في السفر، فقيل له في ذلك فقال: رمضان له عدة من أيام أخر وعاشوراء يفوت.

وروي عن ابن عمر وطاوس أنهما كانا لا يصومان عاشوراء في السفر.

حدثنا أحمد بن قاسم ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن حكم قالوا حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا الفضل بن الحباب قال حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي قال حدثنا شعبة عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته.

قال جابر: جربناه فوجدناه كذلك، وقال أبو الزبير وقال شعبة مثله.

حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو وضاح قال حدثنا أبو محمد العابد عن بهلول بن راشد عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال قال عمر بن الخطاب: من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة.

قال يحيى بن سعيد: جربنا ذلك فوجدناه حقا.

وروى بن عيينة وإبراهيم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: من وسع على أهله في عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة.

قال سفيان جربنا ذلك فوجدناه كذلك.

 

الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار: (3/ 327 - 331)، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي(ت463هـ)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى: 1421هـ/2000م.

 

إنتقاء: د. طارق طاطمي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ما أشْبه الأمس باليَوم

ما أشْبه الأمس باليَوم

  قال الحافظ ابن عبد البر في كتابه التمهيد (367:8) عند شرحه لحديث الوَبَاء الذي وقَع بالشَّام، ورجَع عنه عمَر بن الخطاب ولم يدخُلْها: "فيه دَليلٌ على أن المسْألة إذا كان سَبيلها الاجْتهادَ، ووقع فيها الاخْتلافُ، لم يَجزْ لأحَد الْقائِلين فِيها عَيبُ مُخالفِه،..

أنواع الإحرام

أنواع الإحرام

  الإحرام على ثلاثة أوجه؛ إفراد، وتمتع، وقِران، والإفراد أفضلها، ثم التمتع، فأما القران فصفته ‏إشراك العمرة والحج في إحرام واحد، وذلك على ضربين: ابتداء، وإرداف‏.

خطاب الله تعالى موجه إلى جميع الجوارح

خطاب الله تعالى موجه إلى جميع الجوارح

قال الإمام الفقيه أبو زكرياء يحيى بن محمد بن الوليد الشِّبلي(من علماء القرن 8هـ)، في كتابه «التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرَقين» بعد أن فصَّل الحديث عن الحلال ومراتبه، والحرام وأصنافه:

الفرق بين المسكين والفقير

الفرق بين المسكين والفقير

 وأما المساكين والفقراء فقيل: هما اسمان لمعنّى واحد. قاله ابن الجلاّب، وقيل: إن الفقير أشبه حالاً. وهو مذهب مالك، وقيل: إنّ المسكين أشبه حالا، وهو مذهب الشافعي، وقال ابن وهب: هما سواء إلاّ أن الفقير لا يتكفّف، والمسكين يتكفّف.

نقد المختصرات في المذهب المالكي

نقد المختصرات في المذهب المالكي

 لقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها، ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها، وقد نبه عبد الحق في «تعقيب التهذيب» على ما يمنع من ذلك لو كان من يسمع - وذيلت كتابه بمثل عدد مسائله أجمع - ثم تركوا الرواية فكثر التصحيف، وانقطعت سلسلة الاتصال.